تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
وأما كيفية وجوبها : فهي أنه لا مبعد عن اللّه الا اتباع الشهوات ، ولا مقرب اليه تعالى الا انقطاع عن الذنوب ، ولا يمكن الانقطاع عنه الا بالمعرفة والندم والعزم المعبر عن مجموعها بالتوبة . فإن قلت : مرجع التوبة إلى الألم وهو لا يدخل تحت الاختيار ، فكيف يوصف بالوجوب ؛ قلت : سبب الألم الحاصل من الندم ، وهو المعرفة التي لها أسباب اختيارية . فان قلت : أليس للعبد اختيار في الفعل والترك ؛ قلت : نعم للعبد اختيار ، مع أن الكل مخلوق له تعالى ، وذلك لأن اللّه تعالى لا يخلق حركة اليد بكتابة ما لم يخلق فيها صفة القدرة والحياة والإرادة ، والإرادة المجزومة متفرعة على الداعية ، وهي على العلم ، وله أيضا أسباب أخر مترتبة ، وكل هذا من اختراع اللّه تعالى . ولكن بعض هذه شرط للبعض ، والعبد يجري تحت هذه الحوادث المترتبة في قضاء اللّه الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير ، إنما ظهورها على التفصيل مقدرة بقدر . فإذا ظهرت من باطن الملكوت الأمور المذكورة على جسم عبد مسخر تحت قهر لتدبير سبق ، أهل عالم الملك والشهادة إلى أن العبد قد تحرك ، فحينئذ ينادي من وراء سرادقات الملكوت أيها العبد : « ما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى » . وعند هذا تحير عقولهم . فمن واحد قال بالجبر ، ومن آخر قال بالاختراع ، ومن متوسط بينهما مائل إلى الكسب . الا أنهم لو نظروا إلى عالم الغيب والملكوت ، لظهر لهم أن كل واحد من الطرائق المذكورة صادق في مذهبه الا أنه لم يحظ علمه بجوانبه ، الا أن القاصرين يفهمون من هذا الكلام صدق الأقوال المتضادة ويقولون أنه باطل جزما . الا أن تحقيق هذا المقام يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها ولسنا نتكلم فيها هاهنا .