ومنهم : المغترون بالحسبة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يأمر الناس بالبر وينسى نفسه ، ويطلب الرئاسة ويغلظ في القول وينكر من خالفه للرئاسة والعز . وربما يغتر بعضهم بأن يقال له : مؤذن المسجد الفلاني ، أو امام الجامع الفلاني .
ومنهم : من زهد في المال ويسكن في المساجد ليظن أنه أدرك رتبة الزهاد ، وهو مع ذلك راغب في الرئاسة والجاه : إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد ، وترك المال وهو أهون وأخذ أطم الأمرين ، أعني : الجاه ، حتى أنه ربما يتطاول على الأغنياء وينظر إليهم بعين الاستحقار ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، ويعجب بعمله . وربما لا يقبل المال خوفا من أن يقال بطل زهده . وكل ذلك غرور وخدعة من الشيطان .
ومنهم : متصوفة أهل الزمان ، اغتروا بالزي والهيئة والمنطق من الألفاظ والاصطلاحات ، وفي أحوالهم : من الطهارة والصلاة والرقص والسماع ، وادخال الرأس في الجيب ، وخفض الصوت وتنفس الصعداء ، إلى غير ذلك ، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة ومراقبة القلب ، وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية ، بل تراهم يتكالبون على الحرام والشبهات ، ويتحاسدون على النقير والقطمير . وغرور هؤلاء أظهر من أن يخفى .
وبعض منهم من يغير الزي : لا إلى الخشن ولا إلى الخز والإبريسم ، بل إلى المرقعات النفسية والسجادات المصبوغة ، ولباس هو أرفع قيمة من الخز والإبريسم . وهؤلاء أشد شرا من الأولين ، إذ يظهرون أن التصوف يجتمع مع شهوات النفس ، وربما يقتدى بهم العوام فيعتدي شرهم إليهم .
ومنهم : من يدعي علم المعرفة ومشاهد الحق والوصول إلى القرب والملازمة في عين الشهود ولا يدري هذه الأمور الا بالأسامي ، وهو ينظر إلى العباد بعين الإزراء ، ويقول للعباد : انهم أجراء متعوبون ، وللعلماء : أنهم بالعلم لمحجوبون ، حتى أن منهم من وقع في الإباحة وطوى بساط الشرع ، ويقولون : أعمال الجوارح وسيلة إلى محبة اللّه تعالى ، ونحن والهون في حبه
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 428
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٢٨