ومنهم المغترون من أرباب الأموال ؛ كأن بعضا منهم يبنون المساجد والرباطات ليتخلد ذكرهم . الا أن لهم غرورين :
أحدهما : بناؤهم من المال الحرام أو الشبهات .
وثانيهما : أنهم يظنون الإخلاص وليس كذلك ، إذ لا يرضى بانفاق دينار إذا لم يذكر اسمه ، وربما ينفق الحلال لكن يطلب الثناء والرئاء ، ولذلك يصرف إلى المساجد لأن بانيها مذكور عند الناس . وأيضا يزخرفها ويزينها بالنقوش الشاغلة لقلوب المصلين ، وهو مع ذلك يغتر به ويرى أنه من الخيرات ، ويرى المنكر معروفا .
وان بعضا منهم ينفقون الأموال على الفقير لكن في المحافل ليذكر وليشكر به الناس ، وبعض من الأغنياء يمسكون الأموال عن مصارفها ، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة ، كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن ، ولو قلعوا صفة البخل عنهم وهم اليه أحوج لكان خيرا لهم . ومن قبائحهم : الحيل في الزكاة والتوسل بها إلى الأغراض الفاسدة .
ومنهم : غرور العوام من الأغنياء والفقراء بحضورهم مجالس الذكر وأنه يغنيهم ويكفيهم من غير عمل واتعاظ ، مريض يحضر مجالس الأطباء ولا يتداوى ، وهذا أيضا من الغرور .
المطلب الثالث
اعلم أن مداخل الغرور إذا عرفتها فلعلك تستحيل الخلاص عنها وتحكم باستحالة ، لكن لا يخفى عليك أن الانسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه ، واستعظم الأمر واستوعر الطريق ، وأما إذا صح منه الجد وقوي العزم اهتدى بالحيل إلى مطلوبه ، حتى أنه يقتنص الوحوش المنطلقة في البراري ، ويستخرج الحيتان من البحار والذهب والفضة من تحت الجبال ، ويستسخر الفيلة ، ويبعث بالأفاعي ويستخرج منها الترياق ، ويعرف مقادير الكواكب