الورع والتقوى خائفين ، فما بالهم يأمنون مع فجورهم وفسقهم ، فكأنهم أكرم على اللّه من آبائهم فيغرهم الشيطان ، ويقولون : من أحب انسانا أحب أولاده ، مع أن نبينا صلى اللّه عليه وسلم أذن له في زيارة قبر أمه ولم يؤذن له في الاستغفار ، فجلس يبكي على قبر أمه لرقته لها . والتقوى فرض عين على كل أحد فلا يجزى والد فيه عن ولده شيئا ، وكل ذلك غرور باطل .
وانما موضع الرجاء : من تاب من المعاصي ورجا قبول التوبة ، ويتذكر ان اللّه كريم يقبل التوبة عن عباده ؛ ومن اقتصر بالفرائض من الأعمال ورجا نعيم الآخرة وما وعد اللّه به الصالحين ، فالواجب ملاحظة ان اللّه غافر الذنب شديد العقاب وأنه الغفور والمنتقم . وأيضا : هو المبتلي عباده في الدنيا بأنواع المحن والآلام مع أنه قادر على ازالتها . فإذا كانت سنة اللّه تعالى على هذا المنوال فكيف يغتر به عباده ، فالرجاء والخوف قائدان يبعثان على العمل ، وما لا يبعث على العمل فهو غرور وتمن باطل .
المطلب الثاني في أصناف المغترين
منهم : العلماء . وهم ستة أصناف :
الأول : من أحكم العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها ، وأهملوا محافظة الجوارح عن المعاصي والزامها الأعمال الصالحة ، وظنوا أنهم بعلمهم عند اللّه بمكان . وهم مغرورون ، لأن العلم : إما علم مكاشفة ويسمونه علم المعرفة وعلم التصفية ، وهم بمعزل عنها ؛ وإما علم المعاملة الذي سموه علم الشرائع ، فذلك لأجل العمل ، فلو لم يعمل به لم يكن له قيمة لا عند اللّه ولا عند الخواص ، إذ العلم بالدواء لا يزيل المرض ما لم يستعمله .
الثاني : الذين أحكموا العلم والعمل وتركوا المعاصي الا أنهم لم يفتقدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات المذمومة : من الكبر والحسد والرئاء وطلب الجاه ونحوها . وهؤلاء أيضا مغرورون ، إذ لا ينجو في الآخرة الا من أتى اللّه بقلب سليم .