وبالجملة : فضل العلم عظيم الا أن خطره كثير ، وذلك ليس لنفس العلم بل لإظهاره والتوسل به إلى الرئاء ، فالأحب أن لا يترك لآفته بل يحصله ويدفع الآفات بالمجاهدة .
ثم في الواعظ علامات يعرف بها صدقه واخلاصه :
أحدها : أنه لو ظهر عالم هو أغزر منه علما والناس أشد له قبولا يفرح به ولم يحسده ، وان فعل فالغبطة .
وثانيها : أن لا يتغير كلامه إذا حضروا مجلسه .
وثالثها : أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق .
ومما ينبغي أن يعلم : أن العبد ربما يقع بين أظهر قوم يقومون للتهجد فيوافقهم ، ففيه أمران :
أحدهما : أن موافقته لهم إن كان بسبب رفع الثقلة بمشاهدة عبادتهم ودفع الأشغال الواقعة في بيته ، أو لمفارقته النوم لاستنكاره الموضع أو لسبب آخر فيغتنم زوال النوم ، فهذا وأمثاله من الأسباب ليس من الرئاء بل هو تجدد النشاط . وأما إذا فعل ذلك لأجل رؤيتهم وخوفا من مذمتهم ، لا سيما إذا اعتقد أنهم يظنونه يقوم بالليل ، فليتركه فإنه من الرئاء . وربما يكون فعله لباعث الدين مقرونا بحب الحمد فلا يترك أيضا ، ويمتحن نفسه بأنه لو لم يروه هل يترك العمل أو يستثقله أم لا ، فإن كان الأول فهو من الرئاء ، والا فلا .
وأصل العلاج في هذا الباب : القناعة بعلم اللّه تعالى في جميع طاعاته ، وإذا خطر جانب العباد : يتذكر عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامها أبد الآباد ، وعظم غضب اللّه ومقته . إلا أنه لا ينبغي أن ييأس بأن يقول : لا ينجو من الرئاء الا الأقوياء ، فيترك المجاهدة في الإخلاص ، إذ اليأس عن صفاء الماء بعد كدره من الجهل بحقيقة الماء وخلو جوهره عن المكدرات وصفائها عن الملوثات ؛ ومثال النفس مثال الماء .
واعلم : أن اللّه تعالى كريم رحيم ، لو شاء لأغنى عباده عن التعب