والصحيح : القول الأول وهو عدم التقلد ، لأن النفس خداعة مدعية للحق واعدة بالخير فلا يعتمد عليها . ثم إن الامتناع عن قبول الولاية أهون عند النفس من العزل ، لأنه كما قيل : طلاق الرجل ، والنفس لا تسمح به ، فيميل إلى المداهنة واهمال الحق فهوى به في قعر جهنم ، الا أن يعزل قهرا ففيه عذاب عاجل .
وأما القضاء : ففيه ثواب عظيم مع اتباع الحق وعقاب أليم مع العدول عنه ، فهو كالأمارة والولاية وفي معناهما وان كان في الحكم دونهما . فينبغي أن يتركه من يخاف عن العزل ولا يفرح بدونه ، إذ يلتزم خوفا من العزل اتباع الهوى فهوى مع الظلمة في الدرك الأسفل من النار .
وأما الوعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد العالية وكل ما يتسع بسببه الجاه ويعظم به القدر : فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات .
فان قلت : مهما حكم بذلك على أهل العلوم تعطلت العلوم واندرست وعم الجهل كافة الخلق ؛ قلت : أما النهي فقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مع ما في عدم السلطنة والامارة من الفتن والفساد ما لا يخفى ، ومع ذلك النهي لم تتعطل تلك الولايات لكون النفوس مجبولة على حب الرئاسة ، وكذلك حب الرئاسة لا يترك العلوم تندرس ، فعلى هذا تعدد الواعظ في البلد ، فليس في النهي الا امتناع البعض ، إذ ترك الكل لذة الرئاسة في حد الامتناع ، ولو انحصر في واحد وكان وعظه نافعا للناس فلا نمنعه وان قال : لا أملك نفسي ، لأنه لو ترك أهلك الناس بل يقال له : أشتغل وجاهد أيضا لو كان غرضه الجاه ، وفي الاشتغال يهلك هو وحده ، وفي الترك يهلك الناس كلهم فنجعله فداء للقوم ، فيدخل فيمن قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ان اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم » .
ثم أن الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة ويزهد في الدنيا بكلامه وبظاهر سيرته ، وأما ما أحدثه الوعاظ من الكلمات المزخرفة والمسجعة المقرونة بالأشعار ، فأنهم نواب الدجال وخلفاء الشيطان يجب اخلاء البلاد منهم .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 409
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٤٠٩