المطلب الرابع عشر في الرخصة في إظهار الطاعات
كما أن في الأسرار فائدة الإخلاص كذلك في الإظهار فائدة الاقتداء . وآفة الرئاء والإظهار قسمان :
أحدهما : اظهار نفس العمل ؛ كالتصدق في الملأ لترغيب الناس في الصدقة ، وكذا سائر الأعمال كالصلاة والحج ، لكن بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرئاء ، وبشرط أن لا يؤذي اظهاره الخلق كما هو الأكثر في التصدق .
ثم الناس اختلفوا - بعد اتفاقهم على جواز الاظهار للقدوة وعدم جواز الاظهار بدون قدوة - أن السر أفضل أم الاظهار للقدوة . والحق ان الاظهار ليقتدي به أفضل ما لم يشبه الرئاء ، وإذا خاف من شوب الرئاء فالأسرار أفضل .
ثم من يظهر العمل له وظيفتان :
إحداهما : أن الإظهار بنية انما يصح فيمن يقتدى به الناس كالعلماء دون غيرهم .
ثانيتهما : أن يراقب قلبه حتى لا تظهر نية أن يقتدى به ، انما شهوته التجمل بالعمل وبكونه مقتدى به ، وهذه حال كل من تظهر أعماله ، الا الأقوياء المخلصين وقليل ما هم . والتفطن لذلك غامض ، ومحك ذلك : ان تعرض على نفسك أن تخفي العمل حتى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ، ويكون لك في ذلك مثل أجر الإعلان ، فإن مال قلبه إلى أن يكون المظهر نفسه فباعثه الرئاء .
وثانيهما : الأخبار عن العمل . والخطر فيه أشد ، لأن النطق يخف على اللسان ، وربما يزيد اظهارا للدعوى لأن لذة النفس فيه عظيمة .
وأما من جهة أن الرئاء الثاني لا يفسد العمل السابق فهو أهون ، الا أن من قوي قلبه واستوى عنده مدح الناس وقدحهم وصفت النية وسلمت من جميع