تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
اللّه تعالى به ، ولا يسلم أحد من الشيطان وما ذكره البصريون من استغنائهم عن الحذر فهو غرور ، إذ الأنبياء لم تسلم من نزعات الشيطان فكيف غيرهم ؛ قال تعالى :
ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
« 1 » . ثم المشتغلون بالحذر فرقتان : فرقة تقول : لا أهم علينا منه فلا نشتغل الا به ؛ وفرقة تقول : اشتغال الهم كله بالحذر منه هو مراد الشيطان ليصدنا بذلك عن ذكر اللّه ، بل لا بد من الجمع بين الأمرين . وقال المحققون : كلا الفريقين غلطا ؛ أما الأولى : فلأنه نسي ذكر اللّه تعالى وانما أمرنا بالحذر لئلا يصدنا عن ذكر اللّه ، ثم يؤدي ذلك إلى خلو القلب عن النور ومن خلا عن النور لا يمكنه الحذر عن الشيطان أصلا . وأما الفرقة الثانية : فقد جمع بين ذكر اللّه وذكر الشيطان ، وبقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر اللّه تعالى ، وقد أمر اللّه تعالى الخلق بذكره ونسيان ما عداه : إبليس أو غيره . والتحقيق : أن يقرر الانسان أولا عداوة الشيطان ووجوب الحذر منه ، ثم يشتغل بذكر اللّه عز وجل ويكب عليه بكل الهمة ، ولا يخطر بباله أمر الشيطان بعد ذلك ، لأن هذا يستكن في قلبه فيتنبه في أثناء الذكر فيشغل به عن ذكر اللّه ، لأن الانسان إذا استكن في قلبه أن يتيقظ في وقت الصبح لأجل مهم له ربما يتنبه أثناء نومه مرات وهو غافل عنه بالنوم ، ولا يخفى أن ذكر اللّه يحيي قلبه بنور العلم والعقل ويميت الهوى والشهوات ، فكفاه ذلك أمر الحذر من الشيطان .
هامش
( 1 ) سورة الحج ، آية : 52 .