ثم أن من أرباب الرئاء من لا يطلب من الناس المال بل يقنع منهم بحسن الاعتقاد ، كالرهبان الساكنين في الجبال ، فان الجاه أمر لذيذ في نفسه كما عرفت ؛ ومنهم من يريد مع ذلك اطلاق اللسان بالثناء والحمد ؛ ومنهم من يريد الصيت في العالم ليكثر الرحلة إليه ؛ ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته ليقوم له به جاه عند العامة ، ومنهم من يتوسل به إلى جمع حطام الدنيا ولو من الأوقاف ، وهؤلاء أشر طبقات المرائين .
ثم اعلم : ان الرئاء ، منها ما هو مباح ؛ كطلب قليل من الجاه ليسلم به من الآفات ، بشرط أن لا يرتكب المحظور في تحصيله ، وأما الجاه الكثير الواسع من غير حرص مذل على طلبه ، ومن غير اغتمام بزواله ان زال فلا ضرر فيه إذ لا أوسع من جاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء الراشدين ؛ ومنها ما هو مكروه : كطلب الجاه بالمباحات ، إذا احتمل ان يباشر به مباشرة ما لا يجوز ؛ ومنها ما هو حرام : كطلب الجاه بالعبادات وجعلها وسائل إلى الدنيا ، وسيجيء تفصيله آنفا .
ثم أن الرئاء بالعبادات : إما بأن يقصد الرئاء المحض دون الأجر ، وهذا يبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات ، بل يعصى بذلك ويأثم ، بل هذا من كبائر المهلكات ، وقد سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الشرك الأصغر .
ووجه ذلك : أن الغرض من الركوع والسجود تعظيم اللّه تعالى ، حتى لو فعلهما لغيره تعالى صار مشركا شركا جليا ، وإذا فعلهما للّه صورة - وأراد بهما تعظيم الخلق لقصده التقرب إليهم - كان معظما لغير اللّه تعالى صورة ، فيصير شركا خفيا ، أي : شركا لم يطلع عليه أحد ولم تجر عليه أحكام الكفر ، وكيف والغرض من العبادة طاعة القلب ، والبدن وسيلة اليه . وكون عبادة البدن لغير اللّه تعالى كفرا ، انما هو لكونه عنوانا ودليلا على حال القلب لا أن حاله بانفراده معتبر في نفسه ، فهذا حال الرئاء وهو أصعب المعاصي ، ولا يخلو قلب عنها الا الأقلين من عباد اللّه المخلصين . ومع كثرته فعلاجه أصعب من علاج سائر المعاصي .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 396
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٩٦