الثانية : أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا ، من مال مباح أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة أو بنت عالم أو عابد ، فهذا محظور لأنه طلب بطاعة اللّه متاع الحياة الدنيا ، ولكن دون الأول فان المطلوب بهذا مباح في نفسه .
الثالثة : أن يظهر عبادته خيفة ان لا يعد من الخاصة والزهاد ، كمن يظهر الصوم وإذا غلب عليه العطش يقول : أفطرت تطييبا لقلب فلان ، أو يقول : ان أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن اني لو صمت يوما مرضت فلا تدعني أن أصوم . وأما المخلص فلا يبالي كيف نظر الخلق اليه .
المطلب الحادي عشر في بيان الرئاء الذي هو أخفى من دبيب النمل
وأعلم : أن الرئاء إما جلي كما عرفت ، وإما خفي : وهو لا يؤثر في العمل ولا في التسهيل والتخفيف ، ولكنه يسر باطلاع الناس عليه ويرتاح له ويروح عن قلبه شدة العبادة . وهذا السرور يدل على رئاء خفي في القلب مستكن استكنان النار في الحجر ، فإن لم يقابل ذلك السرور بكراهية يصير ذلك قوة وغذاء للعرق الخفي من الرئاء ، حتى يتحرك حركة خفية ، حتى يتكلف أن يطلع عليه الناس بالتعريض دون التصريح . وقد يخفي فلا يدعو إلى التعريض بل إلى الاظهار بالشمائل ؛ كإظهار النحول والصفار ، وخفض الصوت ، وجفاف الريق ، وآثار الدموع وغلبة النعاس الدال على طول التهجد .
وأخفى من ذلك : أن لا يريد اطلاع أحد عليه ولا يسر بذلك ، لكن يحب أن يبدأ بالسلام والبشاشة والتوقير ، وأن يثنوا عليه وينشطوا لقضاء حوائجه ، وأن يوسعوا له في المكان ، كأنه نفسه يتقاضى منه الاحترام على الطاعة التي أخفاها حتى لو لم تسبق منه طاعة لما استبعد نفسه تقصير الناس في حقه .
فلم يزل المخلصون على خطر عظيم من الرئاء الخفي ، حتى كان بعضهم يحرص على اخفاء أعماله الصالحة اخفاء الناس فواحشهم خوفا من الرئاء