به . والأسلم : أن يسقط في صورة المباح كالأكل الكثير ان عرف بقلة الأكل ، وكالدوران في الأسواق ان عرف بالعزلة ، إلى غير ذلك . وهذا وأمثاله وان كان ممنوعا في الفقه ، لكن أرباب القلوب يعالجون قلوبهم تارة بالمكروهات وتارة بالمحرمات ليسلموا مما هو أشد منه ، لأن بعض الشر أهون من بعض ، ثم يتداركون ذلك بعلاج آخر .
ثم أن هاهنا موضع غرور : وهو أن الانسان ربما يعتزل ويزعم أنه يترك الجاه ، ولكن غرضه تحصيل الجاه بذلك وهو لا يعرفه . فعليه أن يمتحن نفسه بذلك أولا ، فان جزع فليتدارك ذلك بالعلاج ، ولا يمكن أن لا يطلب المنزلة عند الناس ما طمع في الناس ، فعليه أن يدفع الطمع أولا بما بيناه في موضعه .
المطلب الخامس في وجه العلاج في حب المدح وبعض الذم
اعلم : أن أكثر الخلق هلكوا لرجائهم من الناس المدح وتوقيهم عن ذمهم ، فلا بد من معالجة ذلك المرض .
ولنقدم أولا أسبابه ، ثم لنبين علاجه :
والسبب الأول : استشعار الكمال بسبب قول المادح . وعلاجه : ان صفة المدح ان لم تكن في الممدوح فالفرح بها من غاية الجهل ، وان كانت فيه : فأما أن يكون من قبيل الجاه والأغراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض . قال القائل :
أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا
وان جاز الفرح بها لا ينبغي الفرح بالمدح بها بل بوجودها ، والمدح ليس هو سبب وجودها ؛ وان كانت مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع ، فينبغي أن لا يفرح بها أيضا لأن الخاتمة غير معلومة .
السبب الثاني : دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير