الثالث : أن المدح سبب لاصطياد القلوب سيما إذا كان ممن يعتد بشأنه ، ولهذا يعظم اللذة في مدح الأكابر في الجمع الكثير ويعظم التألم من الذم في الملأ .
الرابع : المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى اطلاق اللسان بالثناء عليه إما عن طوع أو عن قهر ، وهذه اللذة تحصل وان كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح به ، ولكن يتلذذ به القلب لما فيه من الاستيلاء والقهر .
ثم أن هذه الأسباب كلا أو بعضا ربما تجتمع في مدح مادح واحد فلا لذة فوقه .
وأما علاج هذه الأسباب ؛ أما الأول : فبأن يعلم أنه غير صادق في مدحه فتزول لذته وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه ؛ ثم إن علم أن المادح لا يعتقد ما يقوله بطلب اللذة الثانية ، وتبقى لذة الاستيلاء بالحشمة على الاضطرار ، فان اعتقد أن ذلك عن خوفه وأنه يلعب به بطلت اللذات كلها .
المطلب الرابع في علاج حب الجاه
اعلم : أن من غلب على طبعه حب الجاه ، وكان مقصور الهم على مراعاة الخلق والمراياة لأجلهم ، ولا يزال ملتفتا إلى ما يعظم جاهه عنده ، ويجر ذلك إلى التساهل في العبادات ومراعاة القلوب .
وعلاج الجاه من حيث العلم : أن الجاه وان صفا وسلم لك لكن آخره الموت ، بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلى خمسين سنة أو ستين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، فلا ينبغي أن يترك له الدين الذي هو الحياة الأبدية .
وأما من حيث العمل : فبمباشرة فعل يسقط جاهه به عند الناس ، حتى أن بعضا من الملامتية اقتحموا صور الفواحش كذلك ، لكنه لا يجوز لمن يقتدى