من الأمر الرباني صار طبعه على حب صفات الربوبية : من الكبر والعز والتجبر والاستعلاء ، الا أنه لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم تسقط شهوتها للكمال فهي محبة ومشتهية له . ثم أن الكمال الحقيقي للموجود أن يكون وجود غيره منه ، وان لم يكن كذلك فلا أقل من أن يكون مستوليا عليه لأنه نوع كمال . ولما كان الموجود منقسما إلى ما لا يدخل تحت اختيار الانسان :
كالأفلاك والكواكب وملكوت السماوات ونفوس الملائكة والجن والشياطين ، وكالجبال والبحار وما تحتهما ، وإلى ما يدخل تحتها كالأرض وما عليها من المعادن والنبات والحيوان وقلوب نوع الانسان ، وكان طبع الانسان الاستيلاء على الكل ، أحب أن يستولي على القسم الأول بالعلم والاطلاع على أسرارها فان ذلك نوع استيلاء ، إذ المعلوم محاط والعالم محيط به ، فكذلك أحب أن يعرف اللّه والملائكة والأفلاك والكواكب ، وجميع عجائب السماوات وعجائب البحار والجبال وغيرها .
وأما القسم الثاني : فأحب أن يستولي عليها بالقدرة على التصرف فيها كيف يريد . وهي قسمان :
أجساد : كالدراهم والدنانير وما في حكمهما ، فيحب أن يتصرف فيها كيف يشاء ، لأن محبوب النفس صفات الربوبية وما ذكر من التصرف منها ، فكذلك أحب الدراهم والدنانير ، ولذلك أيضا أحب استرقاق العبيد واستعباد الأحرار .
والقسم الآخر : أرواح ؛ كنفوس الآدميين وقلوبهم ، وهي أنفس ما على الأرض ، فيحب الاستيلاء عليها تحقيقا لما في طبعه من محبة صفات الربوبية لما فيه من الأمر الرباني .
ثم اعلم : ان الكمال الحقيقي للّه تعالى وما عدا هذا الكمال وهمي لا حقيقة له ، وذلك من وجوه ثلاثة :
أحدها : من حيث كثرة المعلومات إذ لا نهاية لها .
وثانيهما : من حيث كون معلوماته مكشوفة له تعالى بأتم أنواع الكشف على ما هي عليه .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 388
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٨٨