الأصل الثامن في ذم الجاه والرئاء
وفيه مطالب :
المطلب الأول في أن حب الجاه أشد من حب المال
وذلك لأن كلا منهما للتوصل إلى المطالب ، الا أن المال لما أن لم يأمن عن الآفات من السرقة والغضب وطمع الظلمة ، وكان الجاه الذي هو تسخير القلوب وتعظيمها له وطاعتها له مأمونا عن الآفات المذكورة ، صار الجاه أحب عند الناس ؛ وأيضا : لما كان التوصل بالمال أصعب من التوصل بالجاه إلى المال صار الجاه أحب عنده ؛ وأيضا : أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة بخلاف المال .
فإن قلت : النفوس مجبولة على حب الجاه إذ لا يتوصل إلى المحبوب الا به ، كاتساع الجاه وانتشار الصيت ؛ قلت : هذا الحب له سببان :
أحدهما : وهو الجلي : ان الانسان وان كان مكفيا في الحال فإنه طويل الأمل ، والمال في معرض الآفات ، وفي الجاه أمن عن هذا الخوف .
وثانيهما ، وهو الخفي الأقوى : أن الروح أمر رباني به وصفه اللّه تعالى وقال :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
« 1 » ، ولذلك كان محبا بطبعه التفرد بالكمال ، ولما فيه
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية : 85 .