جعلها آلة للشر ، لكن لا تريد زوالها من حيث أنها نعمة بل من حيث أنها آلة الفساد ؛ أو لا تريد زوالها ولكن تشتهي لنفسك مثلها ، وهذا يسمى غبطة وهذه ليست بحرام ، بل ربما تكون واجبة كما في نعمة العلم ، أو مندوبة كما في نعمة التصدق ، أو مباحة كما في النعم المباحة .
ومذمة الحسد في الآثار والإخبار بل في الطباع شهيرة لا تحتاج على تفصيلها . وأما مراتبه فأربع :
إحداها : أن يحب زوال النعمة عنه وان كانت لا تنتقل اليه ، وهو غاية الخبث ، وأنه مذموم محض .
وثانيتها : أن يحب زوال النعمة اليه فرغبته في تلك النعمة مثل رغبته في دار حسنة أو ولاية نافذة ، وهذا أيضا مذموم .
وثالثتها : أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فان عجز عن مثلها أحب زوالها ، وهذا أيضا مذموم الا أنه أخف من الثاني .
ورابعتها : أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها منه وهذا هو المعفو عنه ان كان في الدنيا ، والمندوب اليه ان كان في الدين .
ثم أن للحسد أسبابا :
الأول : العداوة والبغضاء ، وهذه أشد أسبابه .
الثاني : التعزز ؛ وهو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره ، ولا يريد التكبر بل غرضه أن يدفع كبره ، وهذا إذا نال بعض أقرانه ولاية أو علما أو مالا وهو لا تحتمل نفسه صلفه وتفاخره فيتعزز عليه .
الثالث : أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه ، فإذا نال نعمة خاف ألا يحتمل تكبره