سبحانه :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 1 » ، وقال الشافعي من استغضب فلم يغضب فهو حمار ؛ وأما مفرط : وهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعتهما ، وذلك قد يكون طبيعية وقد تكون مكتسبة ، بأن يخالط قوما يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية ، وانما الاعتدال - وهو أحسن الدرجات : أن ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعث حيث يجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم ، وهو الوسط الذي كلف اللّه عباده به ، وهو الصراط المستقيم ، وهو أدق من الشعر وأحد من السيف . فان عجز فليطلب القرب منه إذ بعض الشر أهون من بعض ، وبعض الخير أرفع من بعض .
واثر هذا الغضب في البصيرة : أنه يعمى صاحبه ويصم عن كل موعظة بل زاد بالموعظة ، ويتصاعد دخان مظلم إلى دماغه بل إلى معادن الحس فتظلم عينه وتسود عليه الدنيا بأسرها ، وربما تقوى نار الغضب فتنفى الرطوبة التي بها الحياة فيموت صاحبه غيظا .
وأما أثره في الصورة : تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف واضطراب الحركة ، والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنفتح المناخر ، ولو رأى الغضبان قبح صورته لسكن غضبه حياء منه .
وأما اثره في اللسان : فالشتم والفحش وقبائح الكلام الذي يستحي منه ذو والعقول بل قائله أيضا عند فتور غضبه .
وأما أثره على الأعضاء : فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة ، وان عجز عن التشفي ربما يمزق ثوب نفسه ويلطم وجهه ويعتريه مثل الجنة ، وربما يضرب الجمادات والحيوانات .
وأما أثره في القلب : فالحقد والحسد واضمار السوء والشماتة بالمساءة وغير ذلك . هذه آثار الغضب .
وأما آثار عدم الحمية : قلة الأنفة من التعرض للحرم ، واحتمال الذل من الاختباء ، وصغر النفس ، ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) سورة الفتح ، آية : 29 .