وكشف الغطاء فيه : أن قمع الغضب والشهوة بالكلية غير ممكن أصلا ، وانما الذي يمكن لنا بالرياضة تعديلهما وصرفهما إلى ما خلقا لأجله . نعم : الجبلات مختلفة بالسرعة والبطء في التغيير لأمرين :
أحدهما : قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود .
وثانيهما : تأكده بكثرة العمل بمقتضاه ورؤيته مرضيا .
والناس فيه على أربع مراتب :
الأول : أن يخلو عن العلم بالقبيح والحسن وبقي على أصل فطرته ، فهذا سريع القبول للعلاج ، فان صادف مرشدا يحسن خلقه في أقرب زمان .
الثاني : أن يعرف القبيح وزين له سوء عمله ومع ذلك علم تقصيره ، وهذا أصعب من الأول إذ تضاعفت فيه الوظيفة : بقلع ما رسخ فيه أولا ، وبغرس مواد الصلاح ثانيا .
الثالث : أن يعتقد الأخلاق القبيحة حقا وجميلا وتربى على ذلك ، فهذا اعتقاد تمتنع معالجته ، ولن يرجى صلاحه الا على الندور وذلك لتضاعف أسباب الضلال .
الرابع : أن يكون نشؤه على الرأي الفاسد ومع ذلك يرى الفضل فيه ويتباهى به . وهذا أصعب المراتب ، وهو المراد بما قيل من التعذيب تهذيب الذيب . فالأول جاهل ، والثاني جاهل وضال ، والثالث جاهل وضال وفاسق ، والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير .
وإذا عرفت هذا ، فاعلم : أن ما قيل : ان الآدمي ما دام حيا لا تنقطع منه الشهوة والغضب فلا مطمع في استئصالهما ، فغلط طائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة فمعهما بالكلية ، وليس كذلك ، بل المقصود تعديلهما ، وكيف يقمعان ولو انقطع عن الانسان شهوة الطعام لهلك جوعا ، أو شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يقدر على دفع المهلكات البدنية والدينية .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 340
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٤٠