المطلب الثالث
ان الاعتدالات المذكورة ؛ قد تكون فطرية : بأن يخلق انسان كامل الفطرة ، وسلطان الشهوة والغضب فيه يصير منقادا للعقل والشرع ، كالأنبياء عليهم السلام ؛ وقد تكون بالرياضة : بأن يؤمر بالبذل لمن في طبعه حب المال ، وبالتواضع لمن فيه الكبر وحب الجاه ، وغير ذلك ؛ وهذه الرياضة إلى أن يصير الخلق المحمود عنده سهلا لا متكلفا .
ولما كان بين القلب والجوارح علاقة عجيبة يظهر أثر كل منهما في الآخر ، بأن يتصور القلب الخلق المحمود ويكلفها للبدن ، ثم بمواظبة البدن على ذلك الخلق يتأدى أثره إلى القلب ، إلى أن ينقلع عنه حب الدنيا ويترسخ فيه حب اللّه الذي هو أصل كل سعادة . ولكن تأثر القلب من الأفعال انما يكون إذا دوام البدن عليها ، ولهذا قيل : أفضل الأعمال أدومها وان قل .
ثم أن الشيخ الذي يطيب نفوس المريدين لا بد أن يكون مثل طبيب الأبدان ، فإنه ان عالج الكل بعلاج واحد أهلكهم ، فكذا الشيخ ينبغي أن ينظر في مرض المريد وحاله وسنه ومزاجه وما تحتمله نفسه من الرياضة . فإن كان المريد جاهلا يعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات ، وان كان له مال حرام يأمره بتركه ، وان رأى فيه الرعونة وعز النفس يأمره بأن يخرج إلى السوق للكدية والسؤال إذ لا ذل فوقهما ، إلى غير ذلك .
ومن لطائف الرياضة أن الخلق المذموم - إذا قوي - ينتقل إلى خلق آخر مذموم ، ثم يتركه تدريجا ؛ كمن يغسل الدم بالبول ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم ؛ مثلا : يرغب الصبي أولا بالكرة والصولجان ، ثم ينتقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب ، ثم منها إلى الرئاسة الدنيوية وطلب الجاه ، ثم منها إلى رئاسة العلم ، ثم منها إلى رئاسة الآخرة . وكل هذه الوسائل مذمومة لكن يختار للتدرج وسهولة تحصيل الكمال .