الصوفي في خيال واحد عشرين سنة وينقضي عمره دون النجاح فيه ، فلو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه الصواب من ذلك الخيال في الحال . ومن زعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يتعلم الفقه وصار فقيها بالوحي والالهام فربما ينتهي بالرياضة اليه فقد ظلم نفسه وضيع عمره ، فإن ذلك وان أمكن لغير النبي بعيد جدا فلا يغتر به .
المطلب السادس
أعلم : ان القلب ترد عليه الصورتان من الحواس الظاهرة وتارة من الحواس الباطنة ، لأنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منها أثر في القلب ، ثم ينتقل بسبب الآثار الواردة عليه من حال إلى حال دائما ، أعني : الأفكار والأذكار ، وهذه تسمى الخواطر لخطورها عند غفلة القلب عنها . والخواطر محركة للرغبة ، وهي تحرك العزم والنية ، والنية تحرك الأعضاء .
فالخواطر مبدأ للأفعال وتنقسم إلى : ما يدعو إلى الشر ، أي : يضر في العاقبة ، وإلى ما يدعو إلى الخير ، أي : ينفع في الدار الآخرة . فالخاطر المحمود يسمى الهاما ، والخاطر المذموم يسمى وسوسة . ومن سنة اللّه تعالى ترتيب المسببات على أسبابها : فسبب الخاطر المحمود يسمى ملكا ، وسبب الخاطر المذموم يسمى شيطانا ؛ واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول الهام الملك يسمى توفيقا ، والذي يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا ، والقلب متجاذب بين الملك والشيطان ، وانما يترجح أحد الجانبين بالمجاهدة أو باتباع الهوى والشهوات التي هي سلاح الشيطان ، فلا بد من معرفة سلاحه وكيفية دفعه .
وأما معرفة صفته وذاته وحقيقته وكذا صفة الملك وحقيقته فذلك من علوم المكاشفة . ومما ينبغي أن يعلم أن بعض الأمور مكايد الشيطان ، وبعضها الهام الملك ، وبعضها متردد بينهما ، إذ الشيطان يعرض الشر في معرض الخير ، والتمييز بينهما غامض ، وبه يهلك أكثر العباد إذ لا يقدر على دعائهم إلى صريح الشر فيصوره بصورة الخير . فحق على العبد أن يمعن فيه النظر بعين البصيرة لا بهوى