المطلب الثالث
العلوم أما عقلية : وهي التي تقضي بها غريزة العقل بلا أخذ من تقليد وسماع ؛ وهي إما ضرورية : لا يدري من أين حصل وكيف حصل ، وإما مكتسبة : وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال ، وكلاهما قد تسمى عقلا ، والقلب جار مجرى العين ، وغريزة العقل جارية مجرى قوة الأبصار يتوقف على النور ، كذلك قلب الصبي إلى التمييز والبلوغ ، وفقد قوة العقل عمى . قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 1 » .
ثم العلوم : إما دينية مأخوذة بطريق التقليد من الأنبياء ، إما بتعلم كتاب اللّه عز وجل ، أو بتعلم سنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم . فالعلوم العقلية - وان كانت غير كافية في سلامة القلب - لكنها محتاج إليها في فهم العلوم الدينية ، فلا غنى بالعقل عن السمع ولا بالسمع عن العقل ، والداعي إلى محض السمع مع عزل العقل بالكلية جاهل ، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور .
فإياك أن تكون من الفريقين وكن جامعا بينهما ، فالعلوم العقلية كالأغذية والشرعية كالدواء ؛ من ظن أن العلوم العقلية مناقصة للعلوم الشرعية ، وأن الجمع بينهما غير ممكن فهو ظن عن عمى عين بصيرته ، نعوذ باللّه من الجهل .
وهذا القائل كيف يفعل فيما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض ، فأما أن يعترف بنفع العلوم العقلية ، أو يعتقد نقصا في الدين وينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين .
ثم العلوم العقلية ؛ إما دنيوية : كالطب والحساب والهندسة والنجوم وسائر الحرف والصناعات ؛ وإما أخروية : كعلم أحوال القلوب وآفات الأعمال والعلم باللّه وصفاته وأفعاله ، وهما ككفتي الميزان ، وربما يقال : كالمشرق والمغرب ، وربما يقال : كالضرتين أن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ،
هامش
( 1 ) سورة الحج ، آية : 46 .