ويبقى معنى الكلمة مجردا في قلبه حاضرا فيه كأنه لازم له لا يفارقه ، ثم يسلب عنه الاختيار في استجلاب رحمة اللّه فيبقى منتظرا لما يفتحه اللّه عليه من نفحاته ، فتلمع لوامع الحق في قلبه كالبرق الخاطف ، ثم يعود يدوم زمانا .
المطلب الخامس
أعلم : أن أهل النظر لم ينكروا وجود هذا الطريق وامكانه وافضاءه إلى المقصود ، لكن استوعروه واستبطئوا ثمرته واستبعدوا اجتماع شروطه ، وزعموا أن محو العلائق إلى هذا الحد كالمتعذر ، وان حصل فثباته أبعد منه إذا دنا وسواس وخاطر يشوش القلب ، وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن ، فالاشتغال بطرق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض .
الا أن المفهوم من الآيات والأحاديث كون علم التصفية أفضل من العلم المكتسب ؛ سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
« 1 » ، ما هذا الشرح ، قال : « هو التوسعة ، ان النور إذا قذف به في القلب اتسع له الصدر وانشرح » ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ولو وزن ايمان أبي بكر بإيمان العالم سوى النبيين والمرسلين لرجح » ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ان من أمتي محدثين ومكلمين وان عمر منهم ؛ والمحدث : هو الملهم ، والملهم : هو انكشف له في باطن قلبه من جهة الداخل لا من جهة المحسوسات الخارجة ، والقرآن مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية والكشف وذلك علم من غير تعليم .
وقال علي رضي اللّه عنه : ما عندنا شيء أسره النبي صلى اللّه عليه وسلم الينا ، الا أن يؤتى اللّه سبحانه عبدا فهما في كتابه ، وليس هذا بالتعلم .
ثم إن الصواب لمن يريد طريق الآخرة : ان يقدم تعلم العلوم الدينية ، ثم يبتدئ طريق التصفية ، إذ ربما تتشبث بالقلب خيالات فاسدة ، وربما يبقى
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، آية : 22 .