تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
ولذلك ترى علماء الدين جهالا في علوم الدنيا وبالعكس . والجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدين والدنيا لا يتيسر الا للمؤيدين بروح القدس ، وهم الأنبياء ، بخلاف سائر الخلق ، فإنها إذا شغلت بأحدهما انصرفت عن الآخر .

المطلب الرابع

وأعلم : أن للقلب بابين : مفتوح إلى عالم الملكوت ، وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة ؛ وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسك بعالم الشهادة والملك . وطريق اكتسابه من الباب الثاني معلوم لكل أحد ، وأما طريق اكتسابه من الملكوت : فهو أن القلب مستعد لأن يتجلى فيه جلية الحق في الأشياء كلها ، وانما حيل بينه وبينها بالحجب الخمسة - التي ذكرناها - المسدلة بين القلب وبين اللوح المحفوظ ، الذي يسطر فيه حقائق الأشياء وجميع ما قضى اللّه سبحانه إلى يوم القيامة ، كما يسطر المهندس صورة أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة . ثم أن الحجاب بينهما تارة يزول باليد وأخرى بهبوب رياح الألطاف ، ويكون ذلك تارة في المنام فيظهر له ما سيكون في المستقبل ، وتارة في اليقظة فيلمع غرائب العلوم ، وتارة كالبرق الخاطف ، وأخرى كالتوالي إلى حد ما . ودوامه في غاية الندور ، فالحجاب إذا انكشف باختيار العبد فهو الاكتساب ، وإلا فالهام ونفث في الروع ، وان شاهد معه الملك فهو الوحي . وهذا الانكشاف - وان لم يكن بالاختيار - الا أن أسبابه البعيدة داخلة تحته ، لأن ذلك بالزهد في الدنيا والتبرؤ من علائقها ، وتفريغ القلب من شواغلها حتى يستوي عنده وجود كل شيء وعدمه ، والأقبال بكنه الهمة ، فمن كان للّه كان اللّه له . وينبغي أن لا يفرق فكره في مطالعة تفسير وحديث ، بل يداوم أن يقول بلسانه : اللّه اللّه إلى أن ينتهي إلى درجة تكون الكلمة جارية على اللسان بلا قصد منه ، ثم ينتهي إلى أن يحمى أثره عن اللسان فيصادف قلبه مواظبا على الذكر ، ثم يواظبه إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة ،
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 328 | أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده