وانما الحرام تعريض النفس للهلاك من غير أثر ، وانما يستحب إذا علم أن له أثرا ، لكن ان علم أنه يضرب معه أصحابه وأقاربه ورفقاؤه فلا يجوز له الحسبة بل تحرم ، لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر آخر أقوى منه ، وليس ذلك قدرة في الحقيقة .
ولما كان كون بعض المنكر أقوى من آخر أمرا لا يهتدي له العوام ، اشترط بعضهم اذن الوالي لينصب من هو أهل للحسبة .
ثم الظن كاف في إصابة المكروه ، ثم التعويل في هذا الظن على اعتدال الطبع لأن ذلك الظن يقوى بالجبن ويضعف بالتهور ، ثم المكروه المتوقع لا بد له من حد .
وتحقيقه : ان المطالب منحصرة في أربعة : في النفس بالعلم ، وفي البدن بالصحة ، وفي المال بالثروة ، وفي القلوب بالجاه ، ففوت كل من هذه مكروه .
فالفوت إما متوقع أو بالفعل ، وترك المتوقع في هذه الأربع لا يمنع الحسبة ، وانما الضرب الحقيقي المانع مع الحسبة فوات الحاصل ؛ مثل أن يكون جاهلا بمهمات دينه بالحسبة ولم يجد الا معلما واحدا ويقدر المحتسب عليه منع المعلم عن تعليمه ، أو بفوت إزالة المرض الحاصل عنه ، أو بقطع رزقه ولا توكل ويحتاج إلى حرام أو مات جوعا ، أو يزول جاهه ويبتدئ أهل الشر بأذاه . فهذه أمور مستثناة عن الحسبة إذا ظهرت وقويت ، لكن لا بد أن يزن ظن زواله بميزان الدين لا بموجب الطبع والهوى ، فإن سكت بموجب الدين تسمى مداراة وهي جائزة ، وان سكت بموجب الهوى تسمى مداهنة . فعليك بالنقد في سبب السكوت فإن الناقد بصير ، وستجد كل نفس ما عملت من خير محضرا عند اللّه ولو في فلتة خاطر ولفتة ناظر ، وما ربك بظالم للعبيد .
الركن الثاني : ما فيه الحسبة ، وهو كل منكر موجود في الحال ، ظاهر بلا تجسس ، معلوم كونه ، منكرا بلا اجتهاد ، فله شروط أربعة :
الأول : كونه منكرا محظور الوقوع في الشرع ، سواء كان معصية أو لا ، كإراقة خمر يشربها الصبيان .