فإن قلت : إذا كان الوجد أمرا محمودا ، فما بالهم يتواجدون بالأشعار ، مع أن القرآن أحق بذلك ؛ قلت : الوجد بالقرآن كان غالبا في النبي صلى اللّه عليه وسلم : منها قوله : « شيبتني سورة هود » ، لأن الشيب من الخوف والحزن وهو وجد .
ومنها : ان ابن مسعود لما قرأ عليه وانتهى إلى قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
« 1 » قال : « حسبك » وعيناه تذرفان بالدمع ، والبكاء وجد ؛ وأنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل وهو من الوجد ، وأمثال ذلك كثيرة .
ولذلك وقع الوجد بالقرآن من الصحابة والتابعين ، يعرف ذلك من تتبع الأخبار ؛ وكذا السلف كثيرا تواجدوا بالقرآن ، حتى أن منهم من خر مغشيا عليه ومات .
وأما أهل زماننا هذا انما اختاروا الغناء والأشعار لأحد أمور سبعة :
الأول : أن جميع آيات القرآن لا تصلح لحال المستمع ، فلا يمكن قراءة البعض وترك الباقي ، ويمكن ذلك في الشعر . وأما الكاملون فيأخذون الوجد من كل آية بقوة الفهم ، الا أن أهل زماننا قاصرون في العلم والحال ، فناسب الأشعار حالهم .
الثاني : أن القرآن متكرر على القلوب والأسماع فيضعف أثره ، ولما رأى الصديق اعرابا يسمعون القرآن ويبكون قال : كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا .
ولا تظنن أن قلبه كان أقسى من قلوب اجلاف الأعراب ، ولكن التكرر على قلبه أورث قلة التأثر به ، ولذلك هم عمر أن يمنع الناس من كثرة الطواف .
الثالث : ان لوزن الكلام تأثيرا في القلب وذلك في الشعر .
الرابع : أن الشعر الموزون يؤثر في النفس بالألحان ، وذلك بمد المقصور تارة
هامش
( 1 ) سورة النساء ، آية : 41 .