تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ، لا اللحم الصنوبري بل سر لطيف له إلى القلب الطاهر نسبة خفية ، ووراءها الروح الذي هو من أمر اللّه سبحانه ، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها . ولذلك السر وجود ، وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه ، فإذا فيه غيره فكأنه لا وجود الا للحاضرين ؛ ومثاله : المرآة الجليلة ، إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها الحاضر فيها ، وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصور ، ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان . وهذا من مقامات علوم المكاشفة ، منها نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال : أنا الحق ، وحولها يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت ، أو تذرعها بها ، أو حلولها فيها ، على ما اختلف فيه عباراتهم ، وهو خطأ محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة ، إذا ظهر فيها لون الحمرة من مقابلتها ، وإذا كان هذا غير لائق بعلم المعاملة رجعنا إلى الغرض .

المقام الثاني الوجد

وهو عبارة عن حالة يثمرها السماع ، وهو وارد جديد عقيبه يجده المستمع من نفسه . وتلك حالة لا تخلو من قسمين : فإنها إما أن ترجع إلى مشاهدات ومكاشفات من قبيل العلوم والتنبيهات ، أو أحوال أو تغييرات ليست من العلوم ، بل كالخوف والشوق والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض . فإن ضعف ولم يظهر في الظاهر لم يسم وجدا ، وان ظهر على الظاهر سمي وجدا إما قويا أو ضعيفا . وقد لا يتغير الظاهر لقوة صاحبه ، وقد يكون السماع سببا لكشف ما لم يكن مكشوفا قبله ، فإن الكشف يحصل بأسباب منها التنبيه ، والسماع منبه . ومنها : تغير الأحوال ومشاهدتها وادراكها ، فإن ادراكها نوع علم يفيد ايضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود .