تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
ومنها : صفاء القلب ، والسماع مؤثر في تصفية القلب ، والصفاء سبب الكشف . ومنها : انبعاث نشاط القلب بقوة السماع ، فيقوى به على مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته ، بل القلب إذا صفا ربما تمثل له الحق في صورة مشاهدة ، أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة ، وبالرؤيا إذا كان في المنام ، وذلك جزء من النبوة . وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة . وربما يشاهد بالبصيرة صورة الخضر عليه السلام ، فإنه يتمثل لأرباب القلوب بصورة مختلفة ، وتتمثل أيضا الملائكة للأنبياء : أما على حقيقة صورها ، وأما على مثال يحاكي صورتها بعض المحاكاة . وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبرئيل مرتين في صورته ، وأخبر عنه بأنه سد الأفق . وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب ، ويسمى التفرس . وفي الحديث : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » . واعلم : ان في نفس الانسان مناسبة للعالم الأعلى ، واللذات التي وعد بها في سدرة المنتهى والفراديس العلى . الا أنه لم يتخيل من هذه الأمور الا الصفات والأسماء ، فالسماع يحرك منه الشوق ، والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه ومستقره الذي اليه حنينه ، فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدري ما هو ، فيدهش ويتحير ويضطرب ، ويصير كالمخنق الذي لا يعرف طريق الخلاص . ثم أن الوجد قد لا يكون بلا كلفة ويسمى الهاجم ، وقد يكون بالكلفة ويسمى تواجدا . فمنه المذموم : وهو الذي يقصد به الرئاء ، ومنه محمود : وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالجبلة ؛ فإن للكسب مدخلا في اجتلاب الأحوال ، وهو المراد بقول بعضهم : العادة طبيعة خامسة . ولقد شوهد في العادات من تكلف حب شخص ، وعشقه بدوام النظر اليه واكثار ذكره ، حتى خرج آخرا عن حد اختياره ، ثم طلب الخلاص ولم يكن له ذلك .