السماع ، فليس هو من أهل اللهو فيلهو ومن أهل الذوق فيتنعم ، فهو تضييع لزمانه .
وأوسطهم ضررا : من له ذوق السماع ولكن فيه بقية من الحظوظ البشرية ، فربما يهيج السماع منه داعية اللهو والشهوة فيصير ضرره أكثر من نفعه .
وأعلاهم درجة في حق الضرر : من انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته لكنه لم يحكم ظاهر العلم : فربما سمع لفظا ونزل المسموع على ما لا يجوز في حقه تعالى فيكون ضرره ضرر الكفر ، نعوذ باللّه من ذلك ولذلك قال سهل : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل .
الثالث : أن يكون مصغيا إلى القوال حاضر القلب ، قليل الالتفات إلى ما يظهر عليهم من أحوال الوجد ، مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح اللّه له من رحمته في سره ، متحفظا عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم ، ويحترز عن التنحنح والتثاؤب ، ويجلس مطرقا مكانه مفكرا مستغرق القلب ، متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر الحركات إلى أن يغلبه الوجد ويحركه بلا اختيار .
ومهما رجع إلى الاختيار فليعد إلى هدوئه وسكونه .
واعلم : أن الوجد تارة يؤثر في الظاهر وتارة لا يؤثر . وعدم التأثير إما لضعف الوارد من السماع فهو نقصان ، وتارة لكمال القوة على ضبط الجوارح وهو كمال ؛ وتارة يكون حال الوجد مصاحبا له في غالب الأحوال فلا تعيره طوارق الأحوال . ولعل مراد الصديق بقوله : قست قلوبنا ، أن يكون معناه :
قويت واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال ، فرب ساكن أتم وجدا من المضطرب .
الرابع : أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ، ولكن ان رقص وتباكى لاستجلاب الحزن لا للرئاء فهو مباح . وأما تخريق الثوب فلا رخصة فيه عند الاختيار ، وقد يكون بالإرادة لكن يكون كالمكره ، كاضطرار المريض إلى الأنين باختياره ، إذ لو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه اختياري . فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الانسان على تركه :
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 302
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٣٠٢