المطلب الثالث في آداب السماع وثمراته وفيها مقامات ثلاثة
المقام الأول في الفهم
وهو مختلف باختلاف أحوال المستمع ، وهي أربعة :
أحدها : أن يكون سماعه لمجرد الطبع ، لاحظ له الا استلذاذه الألحان والنغمات ، هذا مباح لكنه أخس مراتب السماع إذ تشاركه فيه الإبل .
ثانيها : تنزيله على صورة مخلوق إما معين أو غير معين ، وهذه الحالة أخس من أن يتكلم فيها الا ببيان خسيتها والنهي عنها .
وثالثها : أن ينزل على معاملته مع اللّه ، وهذه سماع المريد ، وربما يمكن حمل كلام واحد على معنيين متخالفين بحسب اختلاف حال المستمع .
الرابعة : سماع من جاوز الأحوال والمقامات ، وكان كالمدهوش الغائص في عين الشهود ، كاللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام ، ويعبرون عنه بالفناء عن نفسه . ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى ، فكأنه فنى عن كل شيء الا عن الواحد المشهود ، ولا خبر له عن فنائه أيضا ؛ مثلا : قد يعلم الشيء وقد يعلم العلم به ، ففي الثاني يكون معرضا عن الشيء . ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوقين ، وقد تطرأ في حق الخالق ، الا أنه يكون كالبرق الخاطف ، إذ لو دام لم تطقه القوة البشرية وربما تهلك فيه نفسه ، فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات . الا أن فيه نوع قصوره .
وانما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وعن أحواله ، فيسمع باللّه وللّه وفي اللّه ومن اللّه ، وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق ، وعبر ساحل الأحوال والأعمال ، واتحد بصفاء التوحيد ، وتحقق بمحض الإخلاص ، فلم يبق فيه منه شيء أصلا ، بل خمدت بالكلية بشريته ، وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا .