ثم أعلم : ان بعضا من الجهال ، بل بعضا ممن تظنه عالما وهو عالم في بعض الأمور وجاهل في باب معرفة اللّه ولم يقدر اللّه حق قدره - ربما ينكر محبة اللّه تعالى ، وأنت تقلده في ذلك ، فوجب علينا كشف اللثام عن وجه المحبة والعشق والشوق إلى اللّه عز وجل .
واعلم : أن المحبة ميل ينشأ من اعتقاد جمال المحبوب ، فإذا قويت المحبة يسمى عشقا . ثم إن الجمال : أما صوري : وقوة تناسب الخلقة وصفاء اللون المدرك بحاسة البصر ؛ وإما معنوي : وهو كمال العظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات ، وإرادة الخيرات لكافة الخلق المدرك بحاسة القلب . وقد يحب الانسان لهذه الصفات الباطنة - وان لم ير صاحبها - كما يحب الانسان أبا حنيفة والشافعي لاعتقاد الكمال في العلم والدين والأخلاق فيهما ، ومع ذلك لم يدرك بجمالهما الصوري أصلا ، فظهر أنه يمكن معرفة الجمال المعنوي بدون رؤية الجمال الصوري .
ثم أن الجمال الحقيقي فهو اللّه ، ولا جمال ولا محبوب في العالم الا وهو حسنة من حسناته ، وآثار من آثار كرمه ، وغرفة من بحر جوده ، بل كل حسن وجمال في العالم من مبتدأ العالم إلى منقرضه ، ومن ذروة العلى إلى منتهى الثرى ، فهو ذرة من خزائن قدرته ، ولمعة من أنوار حضرته ، فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه ، وكيف لا يتأكد عند العارفين بأوصافه حبه حتى يجاوز حدا لا يمكن اطلاق اسم العشق أيضا لقصوره عن الأنباء عن فرط محبته ، فسبحان من احتجب عن الظهور للأبصار لشدة ظهوره ، واستتر عن العيون بإشراق نوره ، ولولا احتجابه سبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار اللاحظين لجمال حضرته ، ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول وذهبت القلوب ، وتجاذبت القوى وتناثرت الأعضاء ، ولو ركبت القلوب من الحجارة والحديد لأصبحت تحت مبادي أنوار تجليه دكا ، فأنى يطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش ، بل محبة غير اللّه جهل وقصور لظنه أن فيهم شيئا من الجمال ، بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير اللّه ، إذ ليس في الوجود تحقيقا الا
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 294
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٩٤