تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
فالغرض تهييج الشوق . والشوق وان كان الما ففيه نوع لذة إذا انضاف اليه رجاء الوصول ، وهذا حلال ان كان ممن يباح له الوصال ، كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغي إلى غنائها لتتضاعف لذته في لقائهما ، وما الحياة الدنيا لا لعب ولهو وهذا منه . وأما من يتمثل في نفسه صورة أمرد أو امرأة لا يحل له النظر إليها ، فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة ، ومهيج للداعية إلى ما لا يحل الوصول اليه ، وهذا حال الفساق والسفهاء وكثير من الشبان ، فالسماع ممنوع في حقهم لما فيه من تحريك الداء لا لأمر يرجع إلى نفس السماع . السماع : سماع من أحب اللّه سبحانه وعشقه واشتاق إلى لقائه ، فلا ينظر إلى شيء الا رآه فيه ، ولا يقرع سمعه قارع الا سمعه منه أو فيه ، فالسماع في حقه مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه ، ومور زناد قلبه ومستخرج منه كمين حبه ، ويحصل منه أحوال من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها ، يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن ذواقها . وتسمى تلك الأحوال عندهم وجدا أخذا من الوجود ، لأنه صادف من نفسه أمورا لم يكن يصادفها قبل السماع ، ثم تكون تلك الأمور والأحوال سببا لروادف وتوابع تحرق القلب بنيرانها ، وتنقيه من الكدورات كما ينقى الابريز من الخبث ، فيحصل للقلب الصفاء والنقاء ، ثم يتبع الصفاء مكاشفات ومشاهدات هي غاية المحبين للّه تعالى ونهاية ثمرة القربات كلها ، فالمفضي إليها من جملة القربات لا من جملة المعاصي والمباحات . وحصول هذه الأحوال بسبب السماع يسر اللّه تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح ، ويثمر لها شوقا وفرحا وانبساطا وانقباضا ، ومعرفة السبب في ذلك من دقائق علوم المكاشفات . وأما البليد الجامد الطبع ، القاسي القلب ، المحروم عن لذة السماع ربما ينكر ذلك ويتعجب من الالتذاذ والوجد ، واضطراب الحال والشوق ، وتعجب العنين من لذة المباشرة ، وتعجب الصبي من لذة الجاه والرئاسة ، وتعجب الجاهل من معرفة اللّه وجلاله وعظمته وعجائب صنعته . وسبب ذلك أن اللذة نوع ادراك ، فمن لم يكمل قوة ادراكه في حق المتلذذ به لا يدرك اللذة .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 293 | أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده