فيها تأثير الفرح والحزن والضحك والطرب ، حتى النوم ، حتى قيل : من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج لا يقبل العلاج . وكيف لا والصبي في مهده يسكته الصوت الطيب ، والجمل مع بلاده طبعه يتأثر بالحداء حتى تستخف معه الأحمال الثقيلة وتمد أعناقها إلى جانب الصوت ، ويترك الماء والعلف بين يديه مع شدة جوعه وعطشه ، وربما تتلف نفسها في شدة السير . وقد نقل أن الطيور كانت تقف على رأس داود لاستماع صوته .
ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب ، لم يجز أن يحكم مطلقا بإباحته وحرمته بل يختلف ذلك باختلاف أحوال القلب . قال أبو سليمان السماع : لا يجعل في القلب ما ليس فيه لكن يحرك ما هو فيه .
وإذا عرفت هذا ، فأعلم ان مواضع الغناء لا تخلو عن سبعة .
الأول : غناء الحجيج بالطبل والشاهين في وصف الكعبة والمقام والحطيم وزمزم وسائر المشاعر ووصف البادية ، وهو يهيج الشوق إلى حج البيت الحرام ، واشتعاله ان كان ثمة شوق حاصل . والحج محمود ، والشوق وما يبعثه من الطريق المباح محمود لا محالة . ومن هذا القبيل الأشعار التي ينشدها الواعظ للترغيب والترهيب .
الثاني : ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو . وذلك أيضا مباح ، لكن يخالف ألحان الحاج ، لأن ذلك للترغيب والتشويق وهذا للتشجيع واستحقار النفس والمال . والأشعار المشجعة مثل قول المتنبي :
فإن لا تمت تحت السيوف مكرما * تمت وتقاسى الذل غير مكرم
وقوله
يرى الجبناء أن الجبن حزم * وتلك خديعة النفس اللئيم
وأمثال ذلك . فهذا أيضا مباح في وقت يباح فيه الغزو ، ومندوب اليه في وقت استحبابه .
الثالث : الرجزيات في اللقاء بالعدو . والغرض منه تشجيع النفس والأنصار ، وفيه التمدح بالشجاعة والنجدة . وذلك إذا كان بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس . وذلك إما مباح أو مندوب اليه بحسب إباحة