القسم الثالث : أن يحبه لا لذاته بل لغيره ، وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في الآخرة ، كمن يحب أستاذه وشيخه لأنه يتوسل به إلى تحصيل العلم وتحسين العلم ، ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة ، فهذا من جهة المحبين في اللّه تعالى ؛ وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ، بل الذي يتصدق بأمواله تقربا إلى اللّه تعالى ، بل من أحب من يواسيه في المطعم والملبس ليتفرغ للعلم والعمل ، بل من أحب امرأته الصالحة ليتحصن بها من وسواس الشيطان ويصون بها دينه ويولد له ولد صالح يدعو له ، فكل هذه المقاصد دينية فهو محب للّه تعالى .
القسم الرابع : أن يحب للّه وفي اللّه لا ينال منه علما أو عملا وليتوصل به إلى أمر وراء ذاته ، وهذا أعلى الدرجات وهو ادقها وأعظمها . وهذا القسم أيضا ممكن .
ومن آثار هذا الحب أن يتعدى من المحبوب إلى من يتعلقه ويناسبه ولو من بعد : من محبوب محبوبه ومن يثنى عليه حتى منزله ومحله وجيرانه ، حتى قيل : ان المؤمن إذا أحب المؤمن أحب كلبه . ويشهده التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء . فكذلك حب اللّه تعالى إذا غلب واستولى يتعدى إلى كل موجود سواه لأنه أثر من آثار قدرته ، كمن أحب خط حبيبه وصنعته . وكذلك كان صلى اللّه عليه وسلم إذا حمل اليه باكورة مسح عينها وأكرمها ، وقال : أنه قريب العهد بربه .
ولو كان الحب مقصورا على حظ ينال من المحبوب في الحال أو المال لما تصور حب الموتى من العلماء والعباد ومن الصحابة والتابعين ، بل من الأنبياء المنقرضين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . وحب جميعهم مكنون في قلب كل مسلم متدين ، وكل ذلك حب اللّه لأنهم خواص عباده .
وإذا عرفت درجات الحب فقد اتضح عندك درجات البغض بالمقايسة ، لأن من أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده ، فكل عاص للّه يبغضه كما يحب
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 249
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٤٩