القسم الأول : حبك الانسان لذاته ، وذلك بأن تلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ، فإن كل جميل لذيذ وكل لذيذ محبوب ، فاللذة تتبع الاستحسان ، ويتبع هو المناسبة والموافقة من الطباع .
ثم ذلك المستحسن : إما أن يكون صورته الظاهرة أو الباطنة - أعني :
كمال العقل المثمر غزارة العلم ، وحسن الخلق المثمر حسن الأفعال .
وقد تكون الألفة بمناسبة باطنة توجب الألفة ، فإن شبه الشيء منجذب اليه ، وتلك المناسبة لها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ، واليه يشير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف » .
وكان مالك بن دينار يقول : كل انسان يأنس بشكله كما أن كل طير مع جنسه . فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك ، فلما طارا فإذا هما أعرجان ، فقال : من هاهنا اتفقا . فقد ظهر منه أن الحب قد يكون لا لنفع صوري .
ويدخل فيه الحب للجمال بدون ملاحظة الشهوة ، فإن الصورة الجميلة مستلذة في عينها - وان فرض عدم الشهوة - كما يستلذ الماء والخضرة والأزهار فهو محمود في نفسه . وان اتصل به غرض مذموم من الشهوة الحرام صار مذموما ، وان اتصل به غرض مباح لا يذم ولا يحمد .
وفي هذا القسم لا يدخل حب اللّه لأنه طبيعي ، وحب اللّه ليس كذلك .
القسم الثاني : لينال من ذاته ، غير ذاته ، فيكون المحبوب الغير وهو وسيلة اليه . والطريق إلى المحبوب محبوب ومنه محبة الذهب والفضة . ثم القصد بالوسيلة : اما إلى المال والجاه كحب الملوك والسلاطين ، أو العلم كحب التلميذ الأستاذ . وليس في شيء منها محبة اللّه تعالى إذ يتصور كل ذلك ممن لا يؤمن باللّه تعالى . الا أنه قد يكون مذموما إذا قصد التوصل إلى قهر الأقران بالمال ، وحيازة أموال اليتامى بالجاه ، وظلم الرعايا بالعلم بولاية القضاء أو غيره . وقد يكون مباحا إذا توسل إلى مباح ، إذ الوسيلة بكسب الحكم والصفة من المتوسل اليه .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 248
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٤٨