فلا يجوز الدخول عليهم الا لعذرين :
أحدهما : الاكراه ، وعلم أنه لو امتنع أوذي أو نزع العوام نفسهم عن طاعة الأمراء لاقتدائهم بامتناعه .
وثانيهما : أن يدخل لدفع ظلم عن نفسه أو عن غيره ، بشرط أن لا يكذب ولا يثني ولا يدع النصيحة بتوقع قبولها .
الحالة الثانية : أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فيجب السلام ، وأما القيام : فإن كان بجمع كثير يقوم لرعاية حشمة الولاة بين الرعايا فإن ذلك مهم ، وان كان في خلوة فيجوز القيام مكافأة لما وقع من الاكرام ، ولكن الأولى أن لا يقوم ليظهر به عز الدين وحقارة الظلم ، ويظهر به غضبه للدين والأعراض عمن أعرض اللّه عنه ، ثم يخوف فيما يرتكبه من المعاصي ، ويرشده إلى طريق المصلحة ، والارشاد إلى ما هو غافل عنه بما يغنيه عن الظلم .
الحالة الثالثة : أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه وهو الواجب ، إذ لا سلامة الا فيه ، ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم . فإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قال أبو حاتم الأصم : انما بيني وبين الملوك يوم واحد ، أما أمس فلا يجدون لذته ، وانا وإياهم من غد على وجل ، وانما هو اليوم ، فما عسى أن يكون في اليوم .
ولا بد أن تكون الجناية على اللّه فوق الجناية على نفسك ، فيجب أن لا تحب ، وما يقال : المحبة غير اختياري فليس كذلك ، لأن المحبة فرع معرفة الكمال ، فمن أحب اللّه تعالى أحب ما أحبه وكره ما أبغضه .
وان احتججت بدخول السلف عليهم فنقول لك : أدخل كما دخلوا ، لكنه قريب من المحال في حقنا ، أين نحن من أحوالهم : لأنهم كانوا يعاتبونهم ويعظونهم ولا يخافون في الحق لومة لائم ، ونحن نتقرب إلى قلوبهم فندلهم على الرخص فيما يوافق أغراضهم . وان لنا في ذلك غرورين يغتر بهما الحمقاء .
أحدهما : أن يظهر أن قصدي إصلاحهم بالوعظ وانما الباعث لهم الشهرة ،