يتقلدون المنة بأخذ الصحابة والتابعين أموالهم ، وهم يأخذون من غير اذلال وسؤال ، ولا هم يسكتون عن الحق لأجل عطائهم ؛ وفي زماننا هذا انعكس الأمر كله فيؤدي القبول إلى المعصية .
النظر الثاني : في قدر المأخوذ وصفة الأخذ .
واعلم : أن تصرف السلطان في أموال المصالح كأربعة أخماس الفيء والمواريث صحيحة ، فله أن يعطي ما شاء لمن شاء ، وأما مصارفها فالغنى ليس منهم إذ لم يكن فيه مصلحة للناس ، بل المصرف من فيه مصلحة عامة أو محتاج إلى الكسب ، فكل من يتولى أمرا بقوم يتعدى مصلحته إلى المسلمين ، فلو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه ، فله في بيت المال حق الكفاية ، ومنهم العلماء النافعون كالفقهاء والمحدثين والمفسرين والقراء ، بل المعلمون والمؤدبون وكذا طلبة هذه العلوم ، وكذا زراري العلماء المذكورين ، فأنهم ان لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب .
وأيضا : الدين والملك توأمان ، فيدخل فيهما الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم ؛ ومنهم : عمال بيت المال ، والأجناد الحارسون للمملكة ، ويدخل فيهما الحساب والكتاب والوكلاء لأعمال المال الحرام ، بل عمال بيت المال على حسب الشرع ، ويدخل فيهما الأطباء أيضا لأن لهم مدخلا في صحة الجسد الذي لا يتم أمر الدين الا به ، لكن من يعالج المسلمين بغير أجرة وهؤلاء المصارف يجوز أن يعطوا مع الغنى .
وكذا للسلطان أن يخص واحدا بقدر ما شاء ، لكن ينبغي أن يراعي فيه المصلحة ، إذ مهما خص عالم أو شجاع بصلة كان فيه بعث الناس وتحريضهم على الاشتغال والتشبه به . هذا في السلطان العامل على وجه الحق .
وأما الظلمة ففيهم أمران :
أحدهما : أنه بظلمه إما معزول أو واجب العزل ، فكيف يجوز أن يؤخذ من يده .