الآفة الثانية : القصور عن القيام بحقوقهن والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن ، وفي هذا أيضا خطر لأن كل أحد راع ومسؤول عن رعيته . الا أن هذه أيسر من الآفة الأولى ، ومع ذلك فهي آفة عظيمة لا يسلم منها الا حكيم عاقل يتغافل عن زللهن ويداري أخلاقهن ، إذ الأغلب عليهن السفه والفظاظة والحدة والطيش وسوء الخلق وعدم الانصاف مع طلب تمام الانصاف .
الآفة الثالثة : وهي دون الأوليين . أن يكون الولد والأهل شاغلين له عن اللّه تعالى ، وجاذبا إلى طلب الدنيا وتدبير حسن المعيشة للأولاد بكثرة جمع المال وادخاره لهم ، وطلب التفاخر والتكاثر . ولست أعني المال الحرام فإن ذلك مما اندرج تحت الأولين ، بل التنعم بالمباح والامعان في ملاعبة النساء والأولاد ولا يتفرغ للفكر في الآخرة والاستعداد لها .
إذا عرفت مجامع الفوائد والآفات في النكاح فأعتبر هذه الفوائد والآفات ، واعرض نفسك عليها ، فإن اتفقت في حقه الآفات : بأن يكون شابا محبا محتاجا إلى التحصين ، ومنفردا محتاجا إلى تدبير المنزل ، فأنظر ان اجتمعت في حقه الفوائد : من المال والخلق الحسن ، وعدم صد النكاح إياه عن الشغل باللّه فعليه النكاح . فإن اتفقت الفوائد واجتمعت الآفات فالعزوبة أفضل له . وان بعض الفوائد مع بعض الآفة فعليه أن يوزن بالميزان القسط ، فأيهما أرجح فالحكم له .
مثلا : من ليس له حاجة إلى كسر الشهوة وكان حظه الولد فقط ولم يتيسر له الكسب الحلال فالعزوبة أفضل ، لأن عدم الولد خير من الطعام الحرام . وأما ان خاف الزنا مع الكسب الحرام فالنكاح أولى . وأما إذا خاف النظر الحرام مع الكسب الحرام فالعزوبة أولى ، لأن النظر يقع أحيانا فهو أهون الشرين .
وان أمن النظر أيضا ولكن لم يقدر على دفع وسواس الجماع فالعزوبة أولى ، لأن عمل القلب أقرب إلى العفو من القوت الحرام .
فإن قلت : فمن أمن الآفات كلها فالأفضل له التخلي للعبادة أو النكاح ، قلت : يجمع بينهما ان كان من العباد ، لأن الكسب الحلال لأجل العيال عبادة . وان كان من أهل القلوب يشوشه طلب المعاش فالتخلي أفضل له .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 201
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٠١