ورابعها : طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله .
أما الوجه الأول فهو أدق الوجوه وأبعدها عن افهام الجماهير ، وهو أقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع اللّه ومجاري حكمته . وذلك لأن اللّه تعالى خلق أعضاء الحراثة وأعضاء مهيأة لها ، وخلق البذر ، وسلط متقاضي الشهوة على كل واحد من الزوجين . فمن له بصيرة نافذة يفهم من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط الهي - ليس برقم حروف وأصوات - ان الصانع الحكيم أراد من عباده الأولاد والنسل . ولذلك عظم الشرع الرأد ، سيما وقد صرح بالأمر وباح بالسر بأن قال : تناكحوا تكثروا .
وإياك أن تتوهم التنافي بين محبة اللّه تعالى وإرادة فنائهم ، لأن إرادة الفناء يمكن جمعها مع كراهته ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن ربه عز وجل : « ما ترددت في شيء وأنا أكره مساءته ولا بد منه » . وفي قوله : ولا بد من الموت إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
« 1 » ؛ وقوله عز وجل هو :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
« 2 » .
وتحقيق هذا المقام خارج عن طوق هذا المختصر ، لأنها داخلة في علوم المكاشفة ، ووراءها سر القدر الذي منع الشرع عن افشائه . فظهر من هذا ان من رغب عن النكاح فقد ضيع نسلا أدام اللّه وجوده من آدم عليه السلام ، عقب بعد عقب إلى أن انتهى اليه ، حتى ختم الوجود المستدام من وجود آدم على نفسه ، فمات أبتر لا عقب له .
الوجه الثاني : من محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلمباهاته بكثرة أمته حتى قال : « خير نسائكم الودود الولود » ؛ وقال : « سوداء ولود خير من حسناء لا تلد » . هذا يدل على أن الأصل من التزوج الولد دون الشهوة ، لأنها أكمل في الحسناء وأنها أملح للتحصين وغض البصر .
هامش
( 1 ) سورة الواقعة ، آية : 60 .
( 2 ) سورة الملك ، آية : 2 .