ولم أهرب على ثقة وعلم * بأنّي إن رميت أفوت نبلك
ولكنّي هربت على يقين * بأنك معمل في الحكم فضلك
المتوصّل إلى العفو بمغالظة القول
أتى مخرق بنساء ، فطلبن أن يعفو عنهن فأبى ، فقالت امرأة منهنّ : أطال اللّه سهادك وأخمد رمادك فما قتلت إلا نساء أعلاهن ندى وأسفلهن دما ، ما أدركت من قتلنا ثارا ولا محوت عن نفسك به عارا . فأمر بتخلية سبيلهن غيرها ، وقال : إنّي لأخشى أن تلد مثلها .
وأتى الحجاج بأسارى « 1 » فقال أحدهم : لا جزاك اللّه عن السنة خيرا ، قال : كيف ؟ قال : إنّ اللّه تعالى يقول :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ
« 2 » فإمّا منا بعد وإمّا فداء ، فلا مننت ولا فاديت ، فقال الحجاج : خلّوا سبيلهم . وقالت امرأة في جملة أسري : قبّحك اللّه فلئن أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو . فقال : أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يقول مثل هذا . وأمر بتخلية من بقي منهم .
المتوصّل إلى العفو بتذكّر اللّه ومناشدته
غضب رجل على مولاه فقال : أسألك باللّه إن علمت أني لأطوع لك منك للّه فاعف عنّي ، عفا اللّه عنك ، فعفا عنه .
وقال رجل لأمير غضب عليه : أسألك بالذي أنت أذلّ بين يديه غدا منّي بين يديك إلا ما عفوت عنّي ، فعفا عنه . وقال آخر لأمير يضربه : اضرب بقدر ما تعلم أنك تجشّمه « 3 » عند القصاص يوم الجزاء « 4 » ، فعفا عنه .
من استعفى واستوهب جميعا
جنى غلام للحسن بن علي رضي اللّه عنهما فأمر بعقابه فقال : يا مولاي إن اللّه تعالى قد مدح قوما فكن منهم ، فإنه يقول :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
« 5 » فقال : خلوا سبيله قال وقد قال :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
« 6 » قال : أنت حر لوجه اللّه ولك من المال كذا .
واستعفى رجل من مصعب بن الزبير فعفا عنه فقال : اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض ، فأعطاه مائة ألف ، فقال الرجل : إنّي قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيّات لقوله :
إنّما مصعب شهاب من اللّه تجلّت عن وجهه الظّلماء
هامش
( 1 ) أسارى : جمع أسير .
( 2 ) القرآن الكريم : محمد / 4 .
( 3 ) تجشمه : تكبّده وتحمّل مشاقه .
( 4 ) يوم الجزاء : يوم الدينونة والحساب .
( 5 ) القرآن الكريم : آل عمران / 134 .
( 6 ) القرآن الكريم : آل عمران / 134 ، 148 .