أيها الأمير أن لا تقتلنا ونحن عطاش . فقال : اسقوهم ، فلما شربوا قال : ناشدتك اللّه إن قتلت ضيفانك ، قال : أحسنت فخلّى سبيلهم .
همّ الأزارقة « 1 » بقتل رجل فقال : أمهلوني لأركع فنزع ثوبه واتزر ولبّى وأظهر الإحرام ، فخلّوا سبيله لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
« 2 » .
ولما غشى أمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه عمرو بن العاص طرح نفسه على الدابة وتلقاه بعورته . فأعرض عنه وقال : قبحك اللّه ، ولما أتى عمر رضي اللّه عنه بالهرمزان « 3 » أراد قتله فاستسقى ماء فأتى بقدح فامسكه بيده فاضطرب وقال : لا تقتلني حتى أشرب هذا الماء ، فقال : نعم ، فألقى القدح من يده ، فأمر عمر رضي اللّه عنه بأن يقتل فقال : أو لم تؤمني وقلت لا أقتلك حتى تشرب هذا الماء ؟ فقال عمر : قاتله اللّه أخذ أمانا ولم نشعر به .
مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد
قال مروان « 4 » بن أبي حفصة
أبيت وجنبي لا يلائم مضجعا * إذا ما اطمأنّت بالجنوب المضاجع
قال سلم الخاسر :
لقد أتتني من المهديّ معتبة * تظلّ من خوفها الأحشاء تضطرب
قال أبو تمّام :
أتاني عائر الأنباء تسري * عقاربه بداهية نآد « 5 »
فيا خبرا كأنّ القلب أمسى * يجرّ به على شوك القتاد « 6 »
قال البحتري :
عذيري من الأيام رقّقن مشربي * ولقينني نحسا من الطير أشأما
وألبسنني سخط امرئ بتّ موهنا * أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما « 7 »
من هرب خشية العتاب فاعتذر لذلك
قال شاعر :
لئن أخفى حذاري عنك شخصي * لما أرسلت من كفّي خيلك
هامش
( 1 ) الأزارقة : فرقة من الخوارج .
( 2 ) القرآن الكريم : المائدة / 2 .
( 3 ) الهرمزان : من أمراء الجيش الفارسي في معركة القادسيّة 16 ه ( 637 م ) .
( 4 ) مروان بن أبي حفصة : [ ( 106 - 182 ) / 724 - 798 ) ] شاعر مخضرم . امتاز بلغة صافية . مدح المهدي والرشيد وله رثاء شهير في معن .
( 5 ) عائر الأنباء : هي التي يجهل ناقلها - الداهية النداء : الشديدة .
( 6 ) نثا الخبر : انتشر وذاع - القتاد : شجر صلب له شوك كالإبر .
( 7 ) موهنا : وهنا ، والوهن من اللّيل : نحو منتصفه أو بعد ساعة منه .