فقال له مصعب : هذا لك وعلينا أن نعطيه ذلك ، قال المتنبّي :
فاغفر فديتك وأحبني من بعدها * لتخصّني بهدّية منها أنا « 1 »
وقال :
رددت مالا ولم تمنن عليّ به * وقبل مالي قدما قد حقنت دمي
المتوصّل إلى العفو بدفع الوقت
أتي عبيد اللّه بن زياد « 2 » بخارجيّ فأمر بقتله ، فقال : إن رأيت أن تؤخّرني إلى غد فأمر بتأخيره فقال :
عسى فرج يأتي به اللّه إنّه * له كلّ يوم في خليقته أمر
فعفا عنه . وغضب المأمون على علي بن الجهم « 3 » فقال : لآخذن مالك ولأقتلنك اقتلوه . فقال أحمد بن أبي « 4 » دؤاد : إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين ؟ قال :
من ورثته ، فقال : حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك . فقال : يؤخّر حتى يستصفى ماله . وانقضى المجلس وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه .
قال شاعر :
وإذا ابن عمك لجّ بعض لجاجه * فانظر به غده ولا تستعجل
المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن
قال اللّه تعالى :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
« 5 » ، وقيل : لوال : تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة . وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر : غضبت للّه فاطع اللّه في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له .
وقال الشعبيّ لعبد الملك : إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت .
فأخذ هذا المعنى شاعر ، فقال :
فداويته بالحلم والمرء قادر * على سهمه ما دام في يده السّهم
هامش
( 1 ) فديتك : وفي رواية فدى لك - أحبني : حباه : أعطاه - وقوله : منها أنا معناه إذا غفرت لي فكأنّك وهبت لي نفسي .
( 2 ) عبيد اللّه بن زياد بن أبيه ( ت 67 ه / 686 م ) عامل الأمويين في العراق . قتل مسلم بن عقيل وقضى على الحسين في معركة كربلاء ( 61 ه / 680 م ) قتله إبراهيم بن الأشتر قائد المختار الثقفيّ في معركة الخازر .
( 3 ) عليّ بن الجهم : شاعر عبّاسي ، هجا المتوكل فحبس . مات سنة 249 ه ( 863 م ) .
( 4 ) أحمد بن أبي دؤاد : ( ت 240 ه / 854 ) . قاض من المعتزلة . ولد في البصرة جعله المعتصم قاضي القضاة .
( 5 ) القرآن الكريم : الحجرات / 6 .