أقرّ بذنبك ثم اطلب تجاوزنا * عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان « 1 »
قيل : يجب للحازم أن لا يتقدّم غفرانه تعريف الجاني ما جنى لئلا ينسب عفوه إلى الغفلة وكلال حدّ الفطنة .
سوء الاعتذار دليل على الإصرار
قال :
لا ترجع رجعة مذنب * خلط احتجاجا باعتذار
وقال آخر :
فلا أنت أعتبت في زلّة * ولا أنت أغليت في المعذرة « 2 »
حسن العفو عن المصرّ
سمع حكيم رجلا يقول : ذنب الإسرار أولى بالاغتفار . فقال : صدق اللّه ليس فضل من عفا عن السهو القليل ، كمن عفا عن العمد الجليل .
مستعف مقرّ بالذنب
قال ابن المعتز « 3 » في كلام له : تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقا حتى اتخذ من رجائك رفيقا ، وقال الفضل بن مروان لرجل عاتبه : بلغني أنك تبغضني فلم ينكر الرجل ، وقال : أنت كما قال الشاعر :
فإنك كالدّنيا نذمّ صروفها * ونوسعها ذمّا ونحن عبيدها « 4 »
قال أبو فراس :
إن لم تجاف عن الذنو * ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجميلة أن تغض على الجريرة « 5 » . أتى المنصور برجل أذنب فقال : إنّ اللّه يأمر بالعدل والإحسان فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ فيّ بالإحسان ، فعفا عنه . قال شاعر :
إنّ للاعتذار حظّا من العف * ويراه المقرّ بالإنصاف
هامش
( 1 ) الجحود : الإنكار والحقوق - يقول : إنّ عدم الاعتراف بالذنب يجعله مضاعفا ، ولكن الإقرار به يمحوه حتى قيل : من أقرّ بذنبه كمن لا ذنب له .
( 2 ) أغليت في المعذرة : بالغت .
( 3 ) ابن المعتزّ : أبو العبّاس عبد اللّه ( 861 - 908 ) أمير عبّاسي . شاعر وأديب ولي الخلافة يوما وبعض يوم بعد خلع المقتدر ولقّب بالمرتضي باللّه . مات خنقا . له « طبقات الشعراء » وكتاب « البديع » . اشتهر بوصفه المبتكر ووافر علمه وسلامة ذوقه ونقده .
( 4 ) صروف الدنيا : مصائبها ونوائبها .
( 5 ) الجريرة : الذنب والجناية .