وقد أحسن المسهل بن كميت حيث يقول :
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم * وخفناكم إن البلاء لراكد
ذاهب عنه أمره
قيل لرجل زال ملكه : ما كان سبب زوال ملكك ؟ فقال : تدبير الأمر بالهوى « 1 » وتأخير عمل اليوم إلى غد ، وقيل ذلك لآخر ، فقال : قلّة التيقّظ واشتغالنا باللذّات عن التفرّغ وثقتنا بعمّالنا حتى ظلموا رعيّتنا ، فقلّ دخلنا وبطل عطاء جندنا . فقلّت طاعتهم لنا فقصدنا الأعداء فعجزنا عن مدافعتهم .
متولّي رئاسة بغير استحقاق
قال رجل لسعدان : سوّدك القوم لجهلهم بك ، فسيّد الجاهلين غير شريف وإن سوّدوك للفقر إليك فأنت كما قال :
خلت الديار فسدت غير مسوّد * ومن الشقاء تفرّدي بالسودد « 2 »
وقال محمّد بن يزيد :
ومن انتكاس الأمر أن * صارت ولاة الأمر ضبّه « 3 »
وشتم مجنون رجلا فقال له : أتشتمني وأنا سيّد قومي ؟ فقال المجنون :
وإن بقوم سوّدوك لفاقة * إلى سيّد لو يظفرون بسيّد « 4 »
وقال آخر :
وكلام مثلك في الخطو * ب من العجائب والكبائر « 5 »
وصف عسوف في ولايته
حكى رجل ولاية عامل فقال : كان يجبي خراج « 6 » الوحش ، ويأخذ جزية السمك ويطلب زكاة الملائكة ، ويلتمس جمع الريح ويروم القبض على الماء وحصر الحصى وتحصيل الهباء . ولئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد عظمت المصيبة على
هامش
( 1 ) الهوى ( هنا ) : إشباع الأهواء والميول . والهوى أيضا الزيغ عن الطريق المثلى .
( 2 ) التفرّد : الانفراد - السؤدد : مخفف السؤدد ، والسؤدد المجد والرئاسة - يقول : إنّ السيادة عن جهل وحاجة ليست بسيادة .
( 3 ) انتكاس الأمور : انقلابها إلى الأسوأ من نكسه ، قلبه على رأسه وجعل أسفله أعلاه . ونكس المريض عاوده المرض - الضبّة : شيء من حديد والضبّة أنثى الضبّ وهو من الزحّافات كالحرذون يضرب به المثل فيقال : أعقد من ذنب الضبّ أي مشكل لا تحلّ عقدته .
( 4 ) الفاقة : العوز الشديد .
( 5 ) الخطوب : النوائب والنكبات جمع خطب - الكبائر : جمع كبيرة وهي الإثم الكبير .
( 6 ) يجبي : يجمع - الخراج : المال المضروب على الأرض ، والخراج : الجزية .