الذي يجيبني لا أرتضيه ، وما أرتضيه لا يجيبني . ولبعضهم في المعنى :
أبى الشعر إلا أن يفيء رديئه * عليّ ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيه * ولم أك من فرسانه كنت مفحما
مذاهب النّاس في نقده
مذاهب الناس في ذلك مختلفة . فمنهم من يميل إلى ما سهل ، فيقول : خير الشعر ما لا يحجبه شيء عن الفهم . وقال آخر : خير الشعر ما معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك . ومنهم من يقول : ما كان مطابقا للصدق وموافقا للوصف كما قيل :
وإن أحسن بيت أنت قائله * بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وسئل ذو الرّمة عن أشعر الناس فقال : من خبث جيّده وطاب رديئه . ومنهم من يميل إلى ما انغلق « 1 » معناه وصعب استخراجه ، كشعر ابن مقبل والفرزدق . وكثير من النحويين لا يميلون من الشعر إلى ما فيه إعراب مستغرب ومعنى مستصعب .
وقال يزدان المتطبب أن أبا العتاهيّة أشعر الناس لقوله :
فتنفست ثم قلت نعم حبا * جرى في العروق عرقا فعرقا
فقال له بعض الأدباء : إنما صار أشعر الناس عندك من طريق المجسة « 2 » والعروق .
مراتب الشّعراء والشعر
قال الجاحظ : يقال للمجيد فحل ، ولمن دونه مفلق ، ثم شاعر ثم شويعر ثم شعرور .
وقيل : أقسام الشعر أربعة : ضرب حسن لفظه ومعناه ، وإذا نثر لم يفقد حسنه وذلك نحو :
في كفّه خيزران ريحه عبق * من كفّ أروح في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلا حين يبتسم
وضرب حسن لفظه وحلا معناه نحو :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وضرب جاد معناه وقصّر لفظه نحو :
خطاطيف حجن في حبال متينة * تمدّ بها أيد إليك نوازع
هامش
( 1 ) انغلق معناه : صعب فهمه .
( 2 ) المجسّة : آلة الجسّ ، والمجسّة الموضع الذي يجسّه الطبيب ، جمع مجاس .