وقال دعبل « 1 » : وردت قمّ وكان لي على أهلها رسم ، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يناكدني ويؤذيني ، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال :
في است دعبل بلابل * ليس يشفى لقابل
ليس يشفيه منه غير * أير بغل بكابل
فلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني ففررت من قمّ استحياء وما عاودتها بعد .
معرفة نقد الشّعر
« 2 » قال أبو عمرو : انتقاد الشعر أشدّ من نظمه ، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله .
وقيل : إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه .
وقيل : كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله . وقيل : كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه .
وقال الفرزدق : لا يكون الشاعر متقدّما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله .
وقال أبو أحمد بن المنجم :
ربّ شعر نقدته مثل ما ين * قد رأس الصيارف الدينارا
وقال الأهوازي :
ويزعم أنه نقّاد شعر * هو الحادي وليس له بعير
وقال آخر :
قد عرفناك باختيارك إذا كا * ن دليلا على اللبيب اختياره
عذر من يعرف الشعر ولا يصوغه
قيل لابن المقفع : لم لا تقول الشعر ؟ فقال : أنا المسنّ أسنّ الحديد ولا أقطع .
وقيل لأديب : أشاعر أنت ؟ فقال : لا ، ولكني بهم خابر . وقال الشاعر :
وقد يقرض الشعر البكيّ « 3 » لسانه * وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
وقيل لأبي عبيدة : لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك وجودة فهمك ؟ فقال : لأن
هامش
( 1 ) دعبل : هو دعبل الخزاعيّ ، وكنيته أبو عليّ . وهو من شعراء الكوفة . اتصل بهارون الرشيد . وقد ولّي حكم سمجان من خراسان ، ثم نقل إلى أسوان في مصر . وانتهى مقتولا بسبب هجائه بني العباس .
( 2 ) النقد : تمييز الدراهم لمعرفة الجيّد من الرديء المزيّف .
( 3 ) البكيّ لسانه : استعارة من قولهم : عين بكيّ وبكيّة وبكيته إذا قلّ دمعها .