كما ذكرت ، فمنهم من يدعي وإذا طولب بالبينة لم يقمها ، ومنهم من يدعي ويقيم البينة ، والحق لذوي البينات ، لا لذوي الدعاوى ، وأهل الحق فبينتهم محكم كتاب اللّه ، الذي يجمع عليه المخالف والموافق ، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم المجمع عليها أيضا ، وحجة العقل ، وليس تحتاج إليها إلا إذا ورد خبران متضادان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أحدهما فيه رخصة ، والآخر فهي غلظة ، فأبعدهما من الريب يشهد له العقل بالصحة .
وفي مثل ذلك ما يروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه : « وصل إليه رجل يقال له : وابصة ، ورسول اللّه عليه السلام في حشد من الناس ، فوقف الرجل بين يدي النبي عليه السلام ، ولم ير له مجلسا ، فأدناه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقال : يا وابصة أتخبرني عما أتيت له ، أو أخبرك ؟ ! فقال : بل تخبرني يا رسول اللّه ! ! قال : يا وابصة أتيت تسأل عن الخير والشر .
فالخير ما اطمأن إليه قلبك ، والشر ما كرهته نفسك ، وإن أفتاك المفتون ، وإن أفتاك المفتون » يكرر هذا القول ، مع ما يشهد اللّه به لذوي الألباب والعقول ، فكل أولئك يخاطبهم بما أعطاهم من ذلك ، وبهذه القرائح تمييز الخير من الشر ، والجيد من الرديء ، والمليح من القبيح ، والأجناس كلها بعضها من بعض ، وإنما أجريت لك ذلك ، لتعلم أن حجة العقل أضوأ بينة للمحقين ، وإن كان لا أرفع قدرا من كتاب اللّه رب العالمين ، إذ هو نجاة من آمن به ، وسلّم من اتبع سبيل نهجه ، فاتبع أيها الأخ - أكرمك اللّه - من الفرق التي ذكرت ، من أقام البينة ، فأولئك أهل الحق ، ومن سواهم في
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم العياني — صفحة 203
مساهمون: القاسم بن علي بن عبد الله العياني
ص٢٠٣