لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
( 94 ) [ يونس : 94 ] . ما أراد بهذا القول ؟
الجواب : اعلم أن معنى هذه الآية وتأويلها يخرج على أحد وجهين :
فمن ذلك أن يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في أول ما أنزل عليه الوحي خاف أن يكون ذلك عارضا داخل عقله ، فلم يتحقق يقينه ، ولم يكن في اليقين أصح من إقرار الضد لضده ، والخصم لخصمه ، فلما علم اللّه جل اسمه أن ذلك قاطع لما شك فيه نبيه ، أمره بسؤال أهل الكتاب المكذبين ، والشك منه صلوات اللّه عليه وعلى اللّه وسلم فلم يكن في اللّه سبحانه ، ولا فيما نزل عليه من فرقانه ، وإنما كان شكه في نفسه إتهاما منه أن يكون عرض لها ، وقد يروى أنه كان يغمى عليه في وقت نزول الوحي إليه ، فهذا وجه قد روي وتأوله أكثر الناس واللّه أعلم بصحته .
وأما الوجه الثاني فهو الذي أعتقده ، ولا أعدل بالمعنى عنه ، وهو أني أقول : إن المخاطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والمراد بالخطاب سواه ، لأنه صلوات اللّه عليه وعلى اللّه وسلم ، بعيد من الشك في اللّه ، وفيما نزل من عنده ، وإنما المعنى : ومن شك فيما نزل عليه ، فخاطبه اللّه سبحانه بهذا الخطاب تنبيها لمن شك ، ودلالة لهم على سؤال أعدائه عن حقيقة ما أتى به ، وذلك أن إخوانهم من أهل الكتاب لم يكونوا يكتمونهم شيئا مما في صحفهم ، ثقة بهم ألا يظهروا ذلك لمحمد وأصحابه ، فأراد اللّه تبارك وتعالى إثبات الحجة عليهم بذلك ، وجعل الخطاب والأمر بالسؤال لسواهم ، لأن يخف عليهم ذلك ، فيسألون عنه من يثقون به ، ولم يخصهم اللّه سبحانه