كله فإنني أظن أن مكتبة الثعالبي بحاجة إلى دراسة متجددة في ضوء ما تكشف عنه الأيام مما ضاع من تراثنا القديم .
الكتاب
على الرغم مما قد تشير إليه قائمة مؤلفات الثعالبي من توزع جهد الرجل بين التأليف الأدبي واللغوي والتاريخي والموسوعي فإن الحقيقة التي لا مجال لمناقشتها هي أن الرجل تجرد لضرب من التخصص في دراسة أدب مرحلته ، والذي يقرأ مقدمة « يتيمة الدهر » يضع يده على دوافع الاقتصار على أدب « المحدثين » و « العصريين » ، فهو يحددها بقوله : « كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين ، وأشعار المحدثين ألطف من أشعار المتقدمين ، وأشعار المولدين أبدع من أشعار المحدثين ، وكانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن ، وأنظم للطائف البدائع من أشعار سائر المذكورين . .
وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين من الشعراء ، وذكر طبقاتهم ، ودرجاتهم ، وتدوين كلماتهم ، والانتخاب من قصائدهم ومقطوعاتهم ، فكم من كتاب فاخر عملوه ، وعقد باهر نظموه لا يشينه الآن إلا نبو العين من أخلاق جدته ، وبلى بردته ، ومج السمع لمردداته ، وملالة القلب من مكرراته ، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة ، ولذة الجدة ، وحلاوة قرب العهد ، وازدياد الجودة على كثرة النقد ، غير محصورة في كتاب يضم نشرها ، وينظم شذرها ، ويشد أزرها » 38 .
ومهما يكن من أمر دوافع الثعالبي إلى هذه العناية بشعر مرحلته فإن الأمر انجلى عن متابعة مستقصية للنصوص الشعرية والنثرية التي وصلت إليها يده ، فكانت ثروة هائلة ضمنها أقسام يتيمته الأربعة ، ولكن الأمر لم يقف عند هذا ، فقد أعاد الثعالبي الكرة على مادته بوجوه مختلفة ، ومن خلال مناهج عرض جديدة ، فكانت مادة اليتيمة مادة لعشرات الكتب التي ألفها بعدها ، وتلك ظاهرة نرى أنها قامت على عاملين رئيسين ، أولهما : رواج مهنة إهداء الكتب للأمراء والوزراء والأعيان في عصره ، وثانيهما : أن الرجل كان يمتلك عقلية مبدعة في حسن التصرف المنهجي بالمادة المتوفرة بين يديه ، فهو إذ يضع يده على النص الشعري أو النثري يودعه ترجمة صاحبه في