« اليتيمة » ، ثم ينتفع بمعناه أو بالمثل المضروب فيه في « التمثيل والمحاضرة » ، ثم يكر عليه لينتفع بملامح الجمال الفني فيه في « أحسن ما سمعت » ، وقد يسوقه في معرض الحديث عن كلام الناس الموافق لجنس صناعاتهم أو مواضعهم الاجتماعية كما هو الأمر في « اللطف واللطائف » ، وهكذا ، حتى يكاد المطّلع على كتابين أو ثلاثة للثعالبي يألف المادة الأدبية المتكررة فيها ، فلا تقع يده على كتاب جديد إلا وهو قادر على تخمين معظم ما سيرد فيه من نصوص .
إن هذه الحقيقة قد تقدم مسوغا للغض من قيمة المادة العلمية المودعة في أكثر كتب الثعالبي التي أصدرها بعد اليتيمة ، بيد أنها لا تمنع من القول بأن كل كتاب من هذه الكتب يبقى متفردا بسمتين مهمتين ، أولاهما : المنهج المبتكر ، وثانيتهما : ما يستجد لدى المؤلف من مادة يودعها إياه مما لا أثر له في كتبه الأخرى .
و « اللطف واللطائف » واحد من هذه الكتب التي تضمها مكتبة الثعالبي له ما لها من سمات الجدّة في المنهج والإضافة في المادة ، وعليه ما عليها من مآخذ تكرار المادة المودعة فيه بوجه عام .
أما منهج الكتاب فإنه قائم على جمع النصوص ضمن تبويب قائم على النظر إلى العلاقة بين طبقة القائل أو جنس صناعته ، أو تخصصه ، وبين طبيعة القول الصادر عنه ، وذلك ما حدده المؤلف في مقدمته .
وعلى الرغم مما أثبته المؤلف في مقدمة الكتاب من قوله : « هذا الكتاب البديع الذي لم يسبق إلى مثله ، ولم تكتحل عين بشبهه » فإن لنا أن نتوقف عن الأخذ بما قد يوحي الوصف به من أنه خضع لمنهج مبتكر في التأليف الأدبي ، فذلك ما لم يقصد الثعالبي تقريره قطعا ، فقد كان يعلم أن ثلاثة من كتبه تضمنت فصولا قامت على المنهج نفسه هي « برد الأكباد » و « التمثيل والمحاضرة » و « خاص الخاص » 39 . فضلا عن أنه أشار في تقديم مادة فصل « خاص الخاص » إلى أن الجاحظ سبقه إلى هذا النمط من التأليف 40 ، وعلى هذا يمكننا أن نقرر أن « اللطف واللطائف » لا يقدم منهجا مبتكرا قدر كونه يمثل امتدادا لمنهج طريف قام على التنبه إلى أثر البيئة الفردية في النتاج الأدبي .
اللطف واللطائف — صفحة 10
مساهمون: عبد الملك الثعالبي النيسابوري
ص١٠