فقصد بخارى وهو في الثلاثين من عمره 11 ، حيث بلاط السامانيين ، ولكن اضطراب الأمور هناك لم يتح له مجال ارتياد بلاط الأمير نوح بن منصور الساماني ، فما كان إلا أن عاد إلى نيسابور صفر اليدين ، وفي نيسابور لقي بديع الزمان الهمذاني الذي كان قد انتجع نيسابور في فترة غياب الثعالبي عنها ، وتتوطد بين الرجلين علاقة متينة لا تنتهي إلا برحيل الهمذاني عن نيسابور 12 ، فيعكف الثعالبي على تأليف أهم مصنفاته : « يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر » 13 ، وتكون « اليتيمة » سببا في شهرته وتسامع الأمراء والأعيان به ، فيستدعيه الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى جرجان ، فيشد الرحال إليها لينزل على الأمير ، ويمدحه بميمية رائعة مطلعها :
الفتح منتظم والدهر مبتسم * وظل شمس المعالي كله نعم 14
ويصنف الثعالبي للأمير كتاب « المبهج » ثم يعود إلى نيسابور ليتصل بأميرها الشاب أبي المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين أخي السلطان أبي القاسم محمود ابن سبكتكين ونائبه على نيسابور ، وليمدحه ببعض شعره ، ويؤلف له كتاب « الاقتباس » ، ولكن الأمير لا يلبث أن يغادر نيسابور ليدخلها الترك .
وفي سنة 400 ه يحل القحط بنيسابور 15 ، فيرحل الثعالبي إلى إسفرائين لينزل على زعيمها أبي العباس الفضل بن علي الإسفرائيني ، وينعم بكرمه ، ويلتقي بأعيان الأدباء في قصره 16 ، ومن إسفرائين كانت سفرته الثانية إلى جرجان حيث قدّم للأمير قابوس بن وشمكير كتابه « التمثيل والمحاضرة » 17 ، وأعاد كتابة يتيمة الدهر بعد تنقيحها والإضافة إليها ، ثم رحل إلى الجرجانية 18 ، حيث نزل على الأمير مأمون بن مأمون خوارزمشاه والتقى في بلاطه بأجلّ علماء العصر كأبي علي بن سينا ، وأبي الريحان البيروني ، وعكف الثعالبي على تأليف كتبه « الملوكي » و « المشرق » و « الظرائف واللطائف » و « نثر النظم » وأعاد كتابة « الكناية والتعريض » باسم جديد هو « النهاية في الكناية » وأهدى هذه الكتب كلها للأمير خوارزمشاه ، ثم ألّف « تحفة الوزراء » و « أحسن ما سمعت » وأهداهما إلى وزيره أبي عبد الله محمد بن حامد الحمدوني ، ثم