تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لباب الآداب — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
منه ما وليت ، إذ شدّ علينا أبو حسن في كتائبه ، وعن يمينه وشماله أهل البصائر ، وكرام العشائر ، فهناك شخصت الأبصار ، وارتفع الشرار وقارعت الأمّهات عن ثكلها ، وذهلت عن حملها ، واحمرّت الحدق ، واغبرّ الأفق ، وألجم العرق ، وسال العلق ، وثار القتام ، وصبر الكرام ، وحام اللئام ، وحضر الفراق ، وأزبدت الاشداق ، وقامت الحرب على ساق ، وتضاربت الرجال بنصالها ، بعد يأس من مآلها ، وتقصّف من رماحها ، فلا نسمع إلّا التّغمغم من الرجال ، والتّحمحم من الخيول « 1 » ، ووقع السيوف كأنّه دقّ غاسل خشبته على منصبته ، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا « 2 » الليل بغسقه ، ثم انبلج الصبح بفلقه ، فلم يبق من القتال إلّا الهرير والزّئير « 3 » . فقال عمرو ابن العاص : أما واللّه لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاء ، وأصبر في اللّأواء « 4 » ، وإني وإياكم لكما قال الأوّل :
وأعرض عن أشياء لو شئت قلتها * ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا
فإن كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي ، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيّا شكورا ، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه ، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين - المقتول ظلما - إذا لم تطلبوه ، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب « 5 » ، وأنا أسألك - يا أمير المؤمنين - أن تغفر
هامش
( 1 ) الغمغمة : أصوات الأبطال عند القتال ، والحمحمة : أصوات الخيل . ( 2 ) رهقه - من باب طرب - : غشيه ، يتعدى بنفسه ، وأرهقه - بالهمزة - : يتعدى لمفعولين . ( 3 ) الهرير : صوت الكلب دون النباح ، والزئير : صوت الأسد ، وهذا وصف لأصوات المقاتلين حين البأس . ( 4 ) رسمت في « الّاواء » . ( 5 ) ظبات : جمع « ظبة » بضم الظاء وفتح الباء ، وهي : حد السيف . وكتبت في الأصلين « ظباة » وهو خطأ .